نصيحة ماركوس الفلاح البسيط: لا تهجروا الأرض الزراعية
نصيحة ماركوس الفلاح البسيط: لا تهجروا الأرض الزراعية
بعيدا عن العولمة وصخبها يمارس المزارع ماركوس عمله بكل همة ونشاط كأسلافه السابقين بطريقة مستقلة وبانسجام تام مع الطبيعة والأرض، وهذا أيضا يعد فرعا من فروع الاقتصاد.
تيمو هيج
من أسفل وادي ميسوكس يسمع هدير السيارات العابرة، إضافة إلى صوت القطار المزمجر، فهذه البقعة تقع على الخط العابر للشاحنات ونقل البضائع بمختلف أنواعها وأشكالها بما في ذلك اللحوم والمواد الغذائية انطلاقا من مدينة ميونيخ إلى ميلانو مرورا بسويسرا. ولا يبعد النفق الذي يعد أهم نقاط تقاطع جبال الألب السويسرية بأكثر من 30 كيلومترا شمالا عن الوادي الذي يمثل الطلائع الأولى للتضاريس الإيطالية. بلغت درجة الحرارة في الصيف الماضي هنا في قرية جرونو 41.5 درجة عام 2003 وهي أعلى درجة حرارة تشهدها سويسرا منذ قرون عديدة. كما تنتشر زراعة النخيل هنا حتى في فصل الشتاء.
وعند قرية بيرجدورف المجاورة التي تطل علي قرية جرونو يمر القطار رقم 13 المعروف بدويه الهدار. ومن هنا يتراءى لنا الطريق والتي تتخلله السيارات العابرة وكأنها دمى تتحرك. ومع عدم اكتراث الموردين والشاحنين بجمال البحر المتوسط كذلك هو الحال لمضيفنا ماركوس الذي لا يشغله جمال الطبيعة أو الوادي الساحر وجاذبيته. ولعل السبب في هذا ما يُقال إن التعود قاتل للشعور. لقد عمل ماركوس الذي يبلغ من العمر 40 عاما في قطاع المناجم منذ نحو 12 عام .ولذا فإن هذا العمل في الزراعة يمثل نقلة نوعية كبيره بلا شك ولكن يبقي القول إن العمل في قطاعي الزراعة والتعدين يسيران جنبا إلى جنب في هذه البقعة من العالم .
وهو ما جسده إيفو زين في فيلم وثائقي بعنوان بيزيت. ومع أن الكثير من المزارعين يشعرون بالملل مما يسمونه حياة رتيبة ساكنة لكن الأمر يختلف بالنسبة لماركوس الذي ما زال يحمل حتى الآن بعض الملامح الثورية حيث شارك أخيراً في مظاهرة ضد العولمة إبان انعقاد مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي رافعا شعارات تندد بالعولمة وترفضها.
وعلى خلاف الكثيرين من الأجداد الأقدمين لم يكتف ماركوس بالأفكار النظرية حول الأرض، بل عززها بالواقعية العملية من خلال تمسكه بالأرض وصبره وكفاحه بلا حدود. وهو يشير بهذا الصدد إلى أن العمل في زراعة الأرض ليس بالسهولة التي يتصورها البعض. إنه عمل شاق وصعب ويتطلب من المرء الصبر والجلد ويصف لنا ماركوس جدول عمله اليومي كالآتي: الاستيقاظ في الساعة الخامسة والنصف فجرا يقوم بعدها بتقديم الأعلاف للماشية ثم يقوم بتنظيف الحظائر ومن ثم يقوم بجمع الحطب ثم تقليم أشجار التفاح. ولا يذهب للنوم إلا في العاشرة مساء. ويرى ماركوس أن حياته قريبة من المثالية فلا ضجيج ولا تلوث، بل العيش في أحضان الطبيعة بكل تآلف وانسجام. ويقول ماركوس إن ما يصفه أهل المدن بالملل والرتابة أراه أنا حياة رائعة مضيفا أنه يشعر بالسعادة عندما يقدم الطعام بنفسه لماشيته وأبقاره التي يطلق عليها الأسماء لتمييزها، فهذه البقرة اليجرا وهذه البينا و البا وراح ماركوس يتحدث عن حيواناته بنوع من التقدير.
ونصحه والداه حين كان طفلا صغيرا بالتخلي عن حياة الريف. لقد قالوا له حينها أن ينظر إلى سيدات المدينة وكيف يتأنقن ويبدون في عمر الأربعين وكيف تبدو سيدة القرية في هذه السن. وعمل ماركوس بالنصيحة فبدأ حياته خبازا ثم جزارا قبل أن يلتحق بمركز للتدريب الزراعي وسافر عدة مرات إلى الخارج، لكنه عاد في النهاية ليستقر مع زوجته زابينا في هذه القرية الجبلية مرة أخرى. لم يكونا يملكان حينها سوى رأسمال لا يتجاوز ألفي فرنك سويسري. أما الآن فقد صار ماركوس يملك منزلا تقيم فيه أسرته المكونة من سبعة أفراد، إضافة إلى أنه يقوم بزراعة ورعاية مساحة تقدر بعشرة هكتارات تضم ماشية وأبقارا، إضافة إلى خلية نحل.
ويمكن أن يوصف ماركوس بالفلاح المدبر فهو يستخدم أساليب زراعية فاعلة ومنخفضة التكاليف في الوقت ذاته. ويقول ماركوس إن الإنسان ليس في حاجة للملايين لاقتناء مزرعة تحتوي على أبقار وماشية. كما أكد أن النجاح مقرون بالعمل والصبر والاقتناع بما تقوم به.
وأشار ماركوس إلى أن هناك الكثير من المزارعين في هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة غرقوا في الديون بسبب حرصهم على إقامة حظائر جديدة للحيوانات لكن ماركوس شخصيا لا يعاني من أي ديون، فهو يصر على استخدام حظائره القديمة التي يعود تاريخها إلى 300 عام لكنه في كل الأحوال تفي بالغرض المخصص له من أجل إطعام وإيواء خمس أو ست بقرات. يقول ماركوس هذا ما تقوله لنا أمثالنا الشعبية ونصحنا به آباؤنا وأجدادنا.
فلا تحزن وقت الحصاد لأنك لن تحصد إلا ما زرعت يداك. ويقول ماركوس إنه يقوم بزراعة الذرة والبقول والقرع وغيرها بالطريقة نفسها التي سار عليها الأجداد، مضيفا أن زراعة الذرة تقوي الأرض وأن زراعة الملفوف توفر الرطوبة للتربة التي يحتاج إليها النبات. وهكذا تساعد المزروعات بعضها بعضا دون تدخل الإنسان، ودون أن يضطر الفلاح للدخول في دوامة الديون من أجل شراء المخصبات الزراعية وغيرها.
ومن الناحية الاقتصادية يرى ماركوس أن وضعه أفضل من مزارعين آخرين، مشيرا إلى أن ثلث إيرادات المزرعة يتحقق من خلال عمله وعمل زوجته في بيع منتجات المزرعة. أما الثلث الثاني فيتم من خلال نشاطات زوجته زابينا في إلقاء محاضرات في جمعية القرية حيث تشرح للمشاركين كيفية الاستفادة من جلود الحيوانات وأصوافها، إضافة إلى تبيان أفضل الطرق الزراعية وأكثرها جدوى. أما الثلث الثالث فهو الذي توفره الدولة للمزارعين وأسرهم. ويقول ماركوس إنه حتى لو لم يتوافر هذا الدعم الحكومي، فالأمور تسير على ما يرام فكل ما سينقص في هذه الحالة هو عدم اقتناء سيارة. ويمتلك ماركوس وأسرته سيارتين إحداهما رينو والأخرى نصف نقل تستخدم في نقل البضائع. ويقول ماركوس :"أما بالنسبة للغذاء فعندنا منه ما يكفينا ويزيد. القرع والملفوف وأنواع البقول والبطاطس واللحوم والسجق والعنب والخبز كله متوافر عندنا ولا ينقصنا شيء. كما لدينا الحطب الذي نحتاج إليه للطهي والتدفئة والذي نخزنه ليكفي سنوات عديدة. أما بخصوص العجز والإحالة إلى التقاعد والمعاش فلا يشغل بالنا في شيء.
في هذه الأثناء يقطع هدير الشاحنات حاجز الهدوء شاحنات تمضي جيئة وذهابا منطلقة إلى هذا المصنع أو ذلك السوبر ماركت لنقل وشحن البضائع والمنتجات. ويكتفي ماركوس بالنظر عليهم بهدوء من فوق التل وهو يمارسون حياتهم المتعجلة.