الأضرار تصيب الشركات والمستهلكين على حدٍ سواء في أوروبا

الأضرار تصيب الشركات والمستهلكين على حدٍ سواء في أوروبا

الأضرار تصيب الشركات والمستهلكين على حدٍ سواء في أوروبا

مرة أخرى يتنازع وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي حول الضريبة المضافة وأحقية أي من الدول الأعضاء في زيادة قيمة هذه الضريبة ونوعية البضائع والسلع التي يمكن أن تخضع لها.
والجدل هذه المرة يدور حول قطاع الخدمات الحرفية الذي يشمل عدة أنشطة مثل ترميم وتجديد الشقق السكنية أو إصلاح وصيانة الدراجات أو خدمات مراكز التجميل. وانتهى الأمر كما ينتهي في كل مرة بالإعلان عن حلول وسط ضعيفة وتثير الشكوك في جدوى تنفيذها. وعليه تم السماح بتمديد فترة "المشروعات التجريبية " حتى عام 2010 لبعض دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن كانت الفترة محددة حتى نهاية عام 2005. وعلى كافة الدول أن تتمكن من رفع قيمة الضريبة المخفّضة على تلك الخدمات الإنتاجية، بشرط أن يتم تحديدها قبل نهاية آذار (مارس) المُقبل.
وأبدت الحكومة البولندية موافقتها على أحد الحقول المختلفة فيما يتعلّق بتلك الضريبة، بينما لم يكن لديها أية تحفظات في الحقيقة ضد الحل الذي تم التوصل إليه.
وقالت المفوضية الأوروبية إنه يمكن للحكومة البولندية أن تعمل على رفع معدلات الضريبة المخفّضة المفروضة على الخدمات الإنتاجية الإنشائية التي تخدم الأهداف الاجتماعية. وعليه يُفترض بالحكومة أن تحدد المعنى المقصود بـكلمة " اجتماعية " أولا، حيث يمكنها أن تُميّز كل فروع البناء ضريبياً ما عدا بناء الفيلات الفاخرة.
كما تبدو الحكومة الفرنسية راضية إلى حدٍ ما بأجزاء من هذا الحل الوسط، حيث تُعد مشاركة فرنسا رئيسية في هذا النزاع. ويعود سبب رضاها لأنها غير مضطرة إلى تكليف أصحاب الحرف برفع الضريبة المضافة، ومن ناحية أخرى تبقى إحدى أماني الرئيس شيراك بعيدة عن التحقيق، بتمييز العاملين في المطاعم أيضاً. أما الحكومة الألمانية التي كانت على وشك إفشال الحل الوسط باستخدام حق الفيتو خلال مناقشات المفوضية فإنها تعاني الآن من تبعات الموافقة حيث يطالب أصحاب المهن الحرفية الألمان بخفض حجم الضريبة المفروضة عليهم أيضا.
وما يمكن إدراكه في النهاية من نتيجة هذا النزاع بصورة عامة، فهو في الحقيقة لم يحقق سوى البلبلة؛ لماذا على بروكسل أن تتخذ قراراًَ حول حجم الضريبة المضافة المفروضة على قطاع الإنشاءات البولندي؟ ولماذا لا يمكن للحكومة في باريس أن تحدد بنفسها قيمة الضريبة المضافة التي على زبائن المطاعم الفرنسية أن يدفعوها؟ وفي المقابل: لماذا يمكن لوزير الاتحاد الألماني الآن أن يميّز المهن الحرفية ضريبياً، بينما كان هذا محرّماً عليه من قبل؟ ولماذا لا يريد أن يستغلّ هذا الامتياز؟
هذه الأسئلة يقدم الإجابات عنها الإطار العام لقانون فرض الضريبة على حجم المبيعات القائم حالياً، الذي لم يُنظَر إليه على أنه يمنح فهماً كافياً قبل بضع أسابيع فقط. ويُعد هذا التنظيم القانوني السيئ في الحقيقة مشروطا ومؤقتا. حيث كان من المخطط في الأصل تحقيق قفزة كبيرة من خلال سلسلة مجريات إلغاء الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي وتتمثل هذه القفزة في التحوّل إلى الفرض الضريبي حسب مبادئ وقوانين الدولة الأصل. إلا أن أحداً لم يقترب من هذه الخطط أثناء ورشة العمل، وبالكاد يتناولها أحد على محمل الجدّ. حيث لا يتم تطبيق أمر المبادئ الأصل بناء على الدول الأصل إلا فيما يتعلّق بالاستهلاك الخاص في الخارج: من يشتري خارج الحدود، يدفع طبقاً للقوانين السارية هناك. أما بالنسبة لحركة نقل السلع المهنية، حيث تسري عليها مبادئ الدولة المقصودة: فلا بد من دفع الضريبة المضافة في دولة استهلاك السلعة.
وبالفعل كان من الممكن صنع أسواق داخلية حقيقية للشركات بمجرد فرض العبء الضريبي حسب مبادئ الدولة الأصل. وبالمقابل تعوق القوانين السارية الشركات عن طريق العقبات البيروقراطية بصورة ملحوظة. ولكن يضمن مبدأ الدولة الأصل منافسة الأنظمة الضريبية بالأخص، مما يساعد في تحقيق انتعاش الزبائن والمستهلكين. بينما وضع وزراء المالية منذ فترة طويلة الكثير من العقبات، والحواجز أمام هذا النوع من المنافسة. وقرروا رفع الحد الأدنى لقيمة الضريبة المضافة العادية بنحو 15 في المائة؛ بإضافة إلى أنهم حشدوا عدداً لا يُحصى من الاستثناءات فيما يتعلّق بالضريبة المعتادة في بعض القطاعات، والسلع، والخدمات الإنتاجية. حيث يود أغلب وزراء المالية كلا الأمرين: تأمين الاتحاد الأوروبي ضد المنافسة الضريبية على شكل قيم موحدة من الحد الأدنى للضريبة، وفي الوقت ذاته، منحهم الفرصة لخدمة أصحاب المصالح الوطنية بميزات على شكل تخفيض القيمة الضريبية.
وعلى نحوٍ آخر، يُعد كل استثناء من الاستثناءات محاولة لتجنّب كارتل الضريبة المضافة الأوروبي الصارم. وبشكل عام فإن نظام الضريبة المضافة للاتحاد الأوروبي يوجد فيه الكثير من الثغرات تحوله إلى ما يشبه قرص الجبن السويسري. ومن يحاول التدخل إلى النهاية، فمن المؤكّد أنه لن يضع أية استثناءات مستقبلية، ومن يريد أن يوفّق انسجاماً مع النظام، سيمسك بزمام الأمور لفترة قصيرة جداً. وعلى هذا النحو فقط يمكن تثبيت الكارتل. ودون هذا، فبالكاد يُمكن لألمانيا، على سبيل المثال، أن تسمح برفع قيمة الضريبة المضافة العام المقبل بنحو 3 نقاط في المائة. وكان من الأنسب تفعيل مبدأ الدولة الأصل أكثر. والسؤال: لماذا لا بد من رفع قيمة الضريبة المضافة على بعض السلع المحددة، وخفضها على البعض الآخر؟ فهل هذا من العدل؟ لا بد من حل هذه المعضلة ولكن ليس على مستوى جميع دول الاتحاد الأوروبي.
وعادةً ما يعترض طريق مبدأ الدولة الأصل نقطتان: أولاً يعمل هذا المبدأ على تقليص حجم المنافسة في السوق الداخلية، لأنه يفرض قيماً ضريبية مرتفعة على الشركات الموجودة في الدول. وبالتالي يقود هذا إلى منافسة ضريبية مدمّرة، من عواقبها خرق الأسس الضريبية للدولة. وبما أن بعض الدول تفرض قيماً ضريبية متدنية كعوامل مسببة للمنافسة في بعض المناطق التجارية فعندها ستنادي غالبا دول القيم الضريبية المرتفعة مثل ألمانيا، بفرض الضريبة على الشركات حسب الحد الأدنى منها. وفي مثل هذه المنافسة الضريبية فإنها تقدّم ميّزة للمستهلك، كما هي بالنسبة للشركات أيضاً. فهل يمكن وصفها عندئذٍ بأنها مدمّرة؟ وتبلغ قيمة الضريبة العادية في سويسرا 7.6 في المائة، إلى جانب نسب ضئيلة جداً من الاستثناءات، ناهيك عن الأنظمة المالية الحكومية الفاسدة هناك.
أما النقطة الثانية فهي أنه إذا كان الحديث عن أن الضريبة المضافة حاجة لا بد منها في تنظيمات الاتحاد الأوروبي، فلماذا يجب أن تكون مختلفة؟ لقد كان من المُتوقع أن يعادل الحدّ الأدنى من الضريبة نحو 5 في المائة، ولو تم ذلك حينها لأصبحت الاستثناءات أمراً غير ضروري بصورة آلية.

الأكثر قراءة