إلى أين تنتهي المنافسة في سوق الحديد والصلب العالمية؟
إلى أين تنتهي المنافسة في سوق الحديد والصلب العالمية؟
المكان : فوق أرض مقاطعة اللورين الفرنسية التاريخية، هنا يوجد مصنع (ميتال ستيل) للحديد والصلب ... مصنع كبير وضخم بل ومخيف إلى حد بعيد .. تتناثر هنا وتتراص هناك كميات هائلة من الأمتار المربعة من لفائف الحديد بعضها متسخ وبعضها صدئ وتختلف ألوانها تبعا لحالتها من الرمادي إلى البني إلى الأسود ....هنا ترى أنابيب غاز غير مستخدمة وهناك تجد قضبان سكك حديدية مهملة وأسقفا تغطيها الأعشاب والطحالب .. توجد صالة ضخمة يمكن أن تبتلع كنيسة نوتردام الفرنسية الشهيرة ولكن مع فارق كبير ... فالمكان هنا لا يحكي أنشودة دينية بل يتحدث عن قصة كفاح صناعية
غالباً ما يكون الانطباع الأول عن متيال ستيل مشوشا وغير واضح، ففي هذا المكان في منطقة (جاندرانج) الفرنسية يوجد مصنع ميتال ستيل الذي يضم داخله أحدث الأفران الكهربائية المستخدمة في عمليات صهر وتصنيع الحديد وغير بعيد يوجد أيضا مركز للأبحاث تابع للمجموعة .
ورغم هذا يصر (جاي دوليه) رئيس شركة (أرسيلور) المنافسة على أن (ميتال ستيل) تبقى كماء الكولونيا بينما (أرسيلور) تظل كالعطر الفرنسي الفاخر الفواح . ولكن (لاكشيمي ميتال) صاحب شركة (ميتال ستيل) يعرف جيدا كيف يستثمر هذه "الكولونيا" لصالحه . ففي عام 1998 نجح رجل الأعمال الهندي (لاكشيمي ميتال) في شراء مصنع (جاندرانج) للحديد والصلب من مجموعة (أوزينور) التي كانت تملكه حينها قبل أن تباع هي الأخرى لاحقا إلى مجموعة أرسيلور. اشترى لاكشيمي ميتال المصنع الذي كان يعاني من الخسائر وحوله في بضع سنوات إلى مصنع ناجح حقق أرباحا في عام 2004 ورغم هذا لم يتم إلغاء وظيفة واحدة في المصنع ولا يرجع هذا إلى ارتفاع أسعار الحديد في السوق العالمية وحسب بل يرجع أيضا إلى التسويق الجيد، الذي حقق زبائن جدد، وإعادة التنظيم الداخلي للعمل. ويقول (بينارد لاوبريتريه) مدير المصنع: "لقد قمنا بتوظيف مئات الأشخاص خلال العام الماضي وحده".
ويرفض المهنيون الذين يعملون في هذا القطاع الاتهامات التي توجهها مجموعة أرسيلور المنافسة إلى لاكشيمي رجل الأعمال الهندي الذي يحمل جواز سفر بريطانيا بأنه يحارب الصناعة الوطنية الفرنسية. وتقول (سيلفي باريس) نائبة رئيس المجلس الاستشاري في المصنع: "لم يستثمر ميتال أي شيء خلال العام الأول، ولكنه أشار لاحقا إلى تحسن ملحوظ". وتضيف باريس التي كانت تمثل المجتمع والمسؤولة حاليا عن أغلبية الألف موظّف في مصنع (جاندرانج) : "لو لم يقم ميتال بشراء المصنع لما كان هناك المزيد من العمل اليوم. وتسير الأمور بالنسبة إلينا على ما يرام إجمالاً". وحظي العاملون خلال العام الماضي بزيادة على أجورهم تُعادل ضعف قيمة الأجور قياساً مع الموجودة في القطاع بالمعدل. وتضيف:" لا تزال الأجور في باقي الشركات الأخرى في القطاع تقلّ عن أجور أرسيلور بنحو 100 إلى 200 يورو شهرياً".
وينظر إلى المنطقة شمال إقليم (ميتز) الفرنسي على أنه حلبة الصراع وبين عملاقي الحديد والصلب أرسيلور وميتال ستيل . فمصنع أرسيلور المنافس لا يبعد بأكثر من ستة كيلومترات عن مصنع (جاندرانج) حيث يوجد مصنع إنتاج صفائح الفولاذ في مدينة (فلورانج). وعندما يتقدّم الزائر إلى داخل المنطقة الصناعية لأرسيلور في فلورنج، يشعر وكأنه في عالم آخر، حيث تبدو الصالات ووحدات التصنيع جديدة وحديثة. ويعادل حجم المبنى في مساحته مساحة عدة صالات جمباز مجتمعة. ويقول المتحدث الرسمي لشركة أرسيلور إن تلك الصالات في الحقيقة تم بناؤها أصلا لشركة مرسيدس لتصنيع السيارات ولا يمكن الدخول إليها إلا بسترات خالية من الغبار، بحيث لا يتم تشويه الطبقة الخاصة التي تتم إضافتها على صفائح الفولاذ الخاصة بالسيارات. وفي الغرفة الملاصقة، يُدير موظفان طريقاً باردة طولها 6 أمتار، حيث يتم صنع الشرائط الفولاذية، وإعادة تسخينها، وتحفيزها. وهناك عامل آخر يجلس في برج المراقبة خلف 20 شاشة كمبيوتر لمتابعة سير العمل .
جو المنافسة يشمل كل شئ حتى ولو كان المصنعان ينتجان أشكالا مختلفة من الحديد والصلب وتشمل المنافسة أيضا إدارة شؤون العاملين. وتقول باريس: "كان يغلب علينا الشعور أحياناً بأنه يتم استغلالنا، وإهمالنا". لكن العديد من موظفي شركة ميتال يشعرون اليوم برضا بالغ وأعتقد أن هذه حال موظفي أرسيلور أيضاً. بالإضافة إلى أن كلتا المجموعتين تؤمن بأنهما قادرتان على تشكيل قوة أكبر إذا اجتمعتا.
ويقول جيلز شومسكي زميل (سيلفي باريس) لكنه إداري في مصنع (أرسيلور) المنافس :"بالفعل أنقذ ميتال حياة العمال في المصنع.و من الطبيعي أن ينظروا له هذه النظرة " ويتمسك شومسكي بالعمل في أرسيلور حتى مع شدة صعوبة الأمر أحياناً. لقد قررت أرسيلور إغلاق آخر مصنعين كبيرين للحديد في اللورين على أن يتم الإغلاق النهائي في عامي 2009 و2010 وذلك بهدف نقل المزيد من السعات إلى المناطق الصناعية الأنسب من حيث النواحي اللوجيستية على سواحل البحر.
لكن بينارد لاوبريتريه مدير مصنع ميتال ستيل في جاندرانج قال إن عملية الإغلاق هذه سيعاد النظر فيها إذا نجحت صفقة الاندماج مع أرسيلور.