المضاربات بالأسهم.. أنسب رهان عام 2006
المضاربات بالأسهم.. أنسب رهان عام 2006
وأشرقت الشمس .. لكن ليس على محور الأرض وحسب، بل على البورصات العالمية أيضاً التي حققت أرباحاً هائلة عام 2005. ويمكن التأكيد بكل ثقة على أن المستثمرين أحرزوا نجاحات باهرة في السنة الماضية، سواء من خلال المضاربة بالأسهم أو عن طريق سوق العقارات والمواد الخام.
وإذا أخذنا بآراء الخبراء والمتعاملين في هذا الحقل والنشاط لهذا العام، فسنصل إلى نتيجة مؤداها أن التجارة بالأسهم ما زالت تمثل الخيار السليم الآمن لهذا العام 2006، لكن علينا ألا نركن إلى التفاؤل كثيراً مع الأخذ في الاعتبار مسيرة عام 2005، التي لم تكن كلها مفروشة بالورود والرياحين، فالتوقعات السابقة التي ظهرت هنا وهناك جانَبَها الصواب في كثير من الأحيان، حتى أن الخبراء والعرافين أخطأوا في كثير من التنبؤات والتقديرات.
ولنأخذ مثالاً على ذلك مؤشرات الأسهم الألمانية، ولنبدأ أولاً بمؤشر (داكس) الذي ارتفع إلى حدود 5550 نقطة. ولم نكن قبل سنتين نتوقع لَه مثل هذا الارتفاع الكبير، فالألمان معروفون عموماً بنظرتهم الأقرب إلى التشاؤم حول المستقبل الغامض. ولأن مشترياتهم قليلة نسبياً فإننا نجد أن الاقتصاد لم يحقق الازدهار المنشود.
أما الشركات الـ 30 المعتمدة لدى البورصة الألمانية فقد ازدادت أرباحها لتصل إلى نسبة 30 في المائة. ولا غرابة في ارتفاع مؤشر (داكس) الذي وصل إلى نسبة 20 في المائة الذي جعل من ألمانيا ضمن جملة عوامل أخرى دولة رائدة في مجال الصادرات.
لكن ماذا عن الدولار؟!
المستثمرون عادةً لا يكترثون بالعجز في الميزان الاقتصادي، بل ينظرون فقط إلى ارتفاع سعر الفائدة قصيرة الأجل في أمريكا، الذي تجاوز نسبة 4 في المائة، وهذا أدى بالتالي إلى دعم العملة الأمريكية وإضعاف اليورو، ما يعني نهاية وشيكة لزيادة سعر الفائدة في أمريكا. لكن هل ينبغي على المستثمرين التعامل بقوة مع الاقتصاد الأمريكي الهائل بما فيه من نقاط ضعف ملحوظة؟!
ومن بين الأمور ذات الأهمية سوق العقارات أو ربما التوجه نحو وول ستريت (سوق المال) في لندن، حيث ارتفعت قيمة الأسهم هناك بشكل ملحوظ. كما نود أن نلفت الانتباه إلى أسعار النفط المرتفعة التي لم تكن تؤخذ في الاعتبار قبل سنة خلت ولم يتوقع أحد وصولها إلى ما وصلت إليه بالفعل.
ويمكن لأسعار النفط أن تحافظ على ارتفاعها نسبياً مع شيء من الاستقرار، لأن التحكم فيها يخضع لعوامل عديدة مرتبطة بصانعي القرار، وبالتالي يختلف تحديد أسعار الطاقة بشكل عام. إلا أن أهمية النفط لا تتجاوز أهمية الاستثمارات المالية والقروض الائتمانية.
كل الأسواق آنفة الذكر لم يجرِ تخمينها بطريقة مغلوطة كما حصل مع هذه السوق، والسبب يعود إلى فائض السيولة النقدية. فمليارات الدولارات تدفقت من أنحاء العالم كافة نحو الاستثمارات ذات الربحية السريعة والمغرية، التي أقصت بعض النماذج الاستثمارية القديمة وحلت محلها. ولكن ذلك لم يدم طويلا، ففي نهاية المطاف فإن الأسواق المالية هي التي تحدد الأسعار وفقاً لعاملَي العرض والطلب إضافة إلى سوق المعاشات التقاعدية.
وفي نهاية عام 2005 تم طرح السؤال التالي: هل ترتفع المعاشات التقاعدية بسبب انخفاضها الشديد من جهة وزيادة معدلات التضخم من جهة ثانية، أم أنها ستنخفض أكثر فأكثر نظراً لتدفق رأس المال في هذه السوق إلى حد كبير؟! وفي هذا العام تميل التنبؤات إلى الاحتمال الأخير.
ومن المعروف أيضاً صعوبة التنبؤ بتطور أسواق المال ونموها، إذ كثيراً ما يحصل عكس المتوقع. لكن هل يوجد أحد يعتمد على المصادفة فقط وبخاصة عندما يتعلق الموضوع بالمال عصب الحياة؟!
للوصول إلى الحقيقة النسبية في هذا المجال علينا مراعاة عاملين اثنين هما: الاستراتيجية، وتنويع الاستثمارات وتوزيعها. وفي إطار التوجه المطلوب يمكن الاسترشاد بآراء الخبراء والاستشاريين المتخصصين المرموقين أمثال بيتر هوبر مدير الصناديق المالية، حيث أكد هذا الرجل الخبير بالبورصة ما يلي:
"ظاهرياً نحن نعيش اليوم أفضل الظروف وأكثرها ازدهاراً والأسهم تشهد ارتفاعاً متزايدا، لكن الإيرادات لا تسير على المنوال نفسه. وقد حقق الدولار انتعاشاً كبيراً في الآونة الأخيرة، والاقتصاد العالمي آخذٌ في النمو وصولاً إلى نسبة 4 في المائة وهذا يعني الكثير بالفعل".
لكن ذلك الانتعاش فيه شيء من الخداع حسبما أشار هوبر، الذي أضاف قائلاً: "إننا نعيش في الحقيقة حالة عدم استقرار في نظام المال العالمي، فمع أن الأمريكان مدينون إلى أبعد الحدود، إلا أن ضخ المال يجري هناك باستمرار وهو ما يمكن الأمريكان من العيش والازدهار على حساب العالم الآخر!!".
لكن إلى متى سيظل الوضع على ما هو عليه؟! هذا ما لا يقدر هوبر على الإجابة عنه، لكنه ليس من النوع الذي يضع رأسه في الرمال أو يغمض عينيه، بل يبحث عن الفرص من خلال عدم التوازن أو التقديرات المتفاوتة أو المغلوطة المتصلة بأسواق المال العالمية.
وهكذا يعتقد هوبر أن الكثير من المحللين لا يُقَدرون الإمكانات الاستثمارية المتاحة أمام الشركات حق التقدير. ويرى أن السنين المقبلة مؤهلة لإحداث طفرة اقتصادية كبيرة في مجال الاستثمارات وبخاصة في مجال الطاقة ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وفي البنية الأساسية للنقل والمواصلات وكذا الحال في القطاع العام. والأموال اللازمة لمثل تلك الاستثمارات متوافرة بكثرة لدى الشركات وفي الصناديق المالية نتيجة المشاركة الواسعة للمساهمين من جميع الفئات.
ومن المتوقع أيضاً ارتفاع قيمة أسهم الشركات الكبيرة المرموقة، مثل: "سيمنز"، "جنرال إلكتريك"، و"فيليبس"، وغيرها لتغدو من السمات البارزة والمفضلة لدى البورصة.
كما أن هناك فرصاً أخرى متاحة في قطاعي النفط والذهب نظراً لحاجة الإنسان للطاقة بجميع أشكالها وأنواعها. كما أن الذهب يمثل الضمان الرئيسي للمستقبل الغامض ودرء الأخطار المحتملة سواء للأفراد أو الجماعات.
ولكن من يدري، فقد تحذو بعض الدول حذو الأرجنتين عندما أعلنت إفلاسها أخيرا كدولة، ما سيلحق الضرر الكبير بالمستثمرين الذين اعتمدوا بالدرجة الأولى على القروض الائتمانية الحكومية.
هوبر يرى أن الخلل في الموازين المالية الحالية وزيادة الدين الحكومي سيؤديان عاجلاً أم آجلاً إلى نشوء أزمة مالية عالمية، والعودة بالتالي إلى الذهب كسبيل وحيد للضمانات. ولا غرابة أن نجد أن سعر أوقية الذهب خلال الأعوام العشرين المقبلة قد يصل إلى ألفي دولار، فلا شيء مستحيل، كما أنه لا شيء مؤكدا. ولحسن الحظ فإننا نجد أن توقعات هوبر نفسه لا تتطابق دائماً مع الحقيقة والواقع.
المستثمرون من جانبهم يريدون قطف الثمار قريبة المنال وتشغيل أموالهم بطريقة سليمة ومربحة. ولتجاوز الأخطار المحدقة وأية مجازفات في هذا الصدد فإن من الأهمية بمكان توزيع رأس المال على جهات متعددة والتركيز على المهم فالأهم في التنويع الاستثماري.
لكن ماذا يعني كل ذلك في عام 2006؟!
الشيء الواجب معرفته في هذا العام هو أن الاستثمار في العقار يظل الخيار الأنسب والأقل مخاطر من غيره من القطاعات. وينبغي على أي حال اللجوء إلى بدائل استثمارية مختلفة سواء من خلال الصناديق المالية المختارة بعناية أو الاستثمار في المواد الخام. كما أن الفرص متاحةٌ بشكلٍ كبير في البلدان المتحولة نحو اقتصاد السوق مثل روسيا والبرازيل والهند والصين. المهم الآن وأكثر من أي وقت مضى هو استثمار المال على نطاق عالمي واسع.
إن من يحصل على قروض ائتمانية لمدة خمس سنوات فأكثر عليه إدراك مخاطر احتمالات الخسارة وربما تكبد الديون المرهقة نتيجة لذلك. لكن أخطار زيادة أسعار الفائدة ما زالت تشكل الهاجس الأكبر، ولذا يجب على المستثمرين الواعين الأخذ في الاعتبار الآراء المخالفة والاسترشاد بها. وعند الشك يمكن اللجوء إلى التجارة بالعملات الأجنبية، وفي حال الارتباك وعدم اليقين بأي من البدائل المطروحة يمكن ترك المال في الحساب الجاري لحين توافر الفرص المجزية بالفعل.
السنين العشر الماضية أشارت لما يلي: المجالات الاستثمارية تظل متوافرة ومفتوحة دائماً ولا خوف من نضوبها أو انحسارها، لكن المال عنصر متنقل كثير الحركة والتجوال، وهذا ما يجب على المستثمر أخذه بعين الاعتبار، فيجب عليه التحول من النطاق المحلي الضيق إلى العولمة الواسعة الفسيحة.
وفي الختام نؤكد المقولة السابقة: إن البورصة تنبأت بالازدهار والانتعاش الاستثماري عام 2006.. لكن الإنسان لا يقنع بالقليل ويريد المزيد والمزيد!