مخاطر التضخم على جانبي الأطلسي كبيرة رغم كل النظريات
مخاطر التضخم على جانبي الأطلسي كبيرة رغم كل النظريات
قبل نحو عشرة أعوام نشر الاقتصادي البريطاني روجر بوتيل كتاباً جريئا بعنوان "نهاية التضخم"، حيث كانت نظرية بوتيل سهلة للغاية، إذ إن انضمام الدول الناشئة مثل الصين، والهند للاقتصاد العالمي يزيد من حجم المنافسة، وضغط الأجور، ويخفض من حدة التضخم.
ويقف العالم في مقتبل زمن من التضخم – الصفري - الفعلي، والانكماش العرَضي. وقد لاقى الكتاب إقبالا كبيرا ثم ما لبث أن لفه النسيان. ولكن النظرية الأساسية للكتاب أصبحت الشغل الشاغل منذ ذلك الحين للعديد من الاقتصاديين، حيث إن الخوف الحقيقي من التضخم لم يكن موجوداً خلال الأعوام الماضية، والإشارة إلى المنافسة الدولية تزيل كل المخاوف.
وعلى ما يبدو فإن تلك الصورة الهادئة بدأت في التغيّر، حيث إنه ضمن أهم منطقتين اقتصاديتين في العالم، الولايات المتحدة، ومنطقة اليورو، تبرز المخاوف مجددا من غلاء دائم وشيك. والمسبب الأول هو ارتفاع أسعار النفط السريع عقب إعصار كاترينا الذي دفع معدلات الغلاء خلال أيلول (سبتمبر) إلى الارتفاع حول العالم بأسره. وسجلت ألمانيا ارتفاعاً رابعاً خلال السنة بنسبة 2.5 في المائة ستتحقق. ويشير تقدير متفائل إلى نسبة نمو تعادل 2.5 في المائة لمنطقة اليورو. ويُحذّر البنك المركزي الأوروبي من أن هذا المعدل من التضخم سيستمر على الأقل حتى نهاية هذا العام. وسجّل معدل التضخم في الولايات المتحدة في شهر آب (أغسطس) نحو 3.6 في المائة، ومن الممكن أن يصل خلال أيلول (سبتمبر) حسب بعض التوقّعات إلى 4 في المائة. ويظهر القلق على البنكين المركزيين في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، ويئنّ المستهلكون تحت وطأة التراجع في القوة الشرائية.
ورغم هذه التوقعات قصيرة المدى، فإن الأسباب وراء اختلاف ضغط الأسعار القائم في هذه الأثناء سواء في هذا الجانب من الأطلسي أو ذاك، ذات "طبيعة مختلفة"، حيث يتحرك الاقتصاد في الولايات المتحدة بسرعة عالية، تتجاوز معدل النمو المتوقع، كما أن ضغط الطلب برز بشكل ملحوظ حتى قبل إعصار كاترينا ً وانخفض معدل البطالة خلال الربع الثالث إلى مستوى معقول، ومن الممكن أن ينخفض مجدداً كمحصلة لإعادة البناء في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة. ومن الممكن نمو الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2006 بقوة مجدداً. وبهذا يظهر ضغط الأجور والأسعار المتزايدة للعيان.
ويبدو الوضع داخل منطقة اليورو مختلفاً، حيث لا يبدو أن هناك ازدهاراً اقتصادياً فوق معدل قدرة النمو يلوح في الأفق القريب. وإذا سار كل شيء على ما يرام، فمن الممكن أن يصل اقتصاد منطقة اليورو خلال النصف الثاني إلى درجة واعدة، وأن يرتفع إلى أعلى معدل للسنة، أي نحو 2 في المائة. ومما يتسبب في ذلك هو أن منطقة اليورو حتى الآن تشهد حركة ارتفاع الأسعار بأكثر مما كان متوقّعاً، وتستفيد من الطلب غير المتكافئ من الدول المصدّرة للنفط. وإلى جانب أسعار النفط، يوجد هناك ضغط أسعار محلي، حيث إن الوضع الاقتصادي الاستنزافي لم يترك مجالاً للتفاؤل الكبير إذ إنه منذ بداية عام 2004 تم تحويل ارتفاع أسعار النفط الزاحف من الشركات إلى المستهلكين.
فهل يمكن للمرء الاستنتاج من هذه المقارنة أن مخاوف التضخم على جانبي الأطلسي مبررة أم لا؟ وقام البنك الأوروبي المركزي مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي منذ عام 2001 بإغداق السيولة النقدية على الاقتصاد. والاقتصاديون الذين صدّقوا على نظرية بوتيل عبّروا عن مزيد من استحسانهم، وذلك لأن المنافسة الدولية تقلل ضغط التضخم. أما عن وضع البنك المركزي الأوروبي على الأرض، فإن أسعار النفط المرتفعة يمكن أن تؤدي بسرعة إلى معدلات تضخم مرتفعة ودائمة. وهذه المخاطر تنمو مع توقعات متشائمة، والخطر حقيقي بالفعل، حيث إن النقابات المهنية سترد على آثار ارتفاع أسعار نفطية أخرى في دورة مفاوضة الأجور لعام 2006. وفي رابطة صناعة المعادن والإلكترونيات، يمكن أن تبدأ بالبحث عن تجربة القوة. وعلاوةً على ذلك، فإن سيف "داموكليس" لرفع قيمة الضريبة الإضافية يطارد المستهلكين الألمان، ومعدّل التضخم الأوروبي.
وبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال صيف 2004 بتقريب فائدته الأساسية من المعدل الطبيعي. وسيحين الوقت ليبدأ البنك المركزي الأوروبي بذلك أيضاً. ومنذ بداية هذا الشهر يبدو أن نصيحة البنك المركزي الأوروبي على المدى المتوسط تجتذب الانتباه للعوامل المالية الخاصة باستراتيجية السياسة المالية مجدداً، وهذا ما كان من الضروري منذ زمن. ولا تعني التحذيرات الشفوية شيئاً بعد، وذلك بأن البنك المركزي الأوروبي سيخطو بسرعة نحو رفع الفائدة. ولا بد له من ذلك حتى يمكنه التقليل من شأن عواقب ارتفاع أسعار النفط على الوضع الاقتصادي، كما حدث خلال عام 2000. وسيكون حذراً بصورة خاصة من توقعاته حول الوضع الاقتصادي للنصف الثاني. والشيء الأكثر ضرراً على التطوّر الاقتصادي من الممكن أن يتضح بالتأكيد عندما يفقد البنك المركزي الأوروبي مصداقيته كمحارب للتضخم، وعندما يستمر التضخم المرتفع لفترة طويلة. ولا يبدو أن هنالك حماية من جانب المنافسة الدولية، حيث لا يمكن محاربة التضخم إلا برفع الفوائد.
الاقتصادي البريطاني روجر بوتيل