دوها .. يا دوها
دوها .. يا دوها
الأهازيج التي جمعتها لمياء باعشن من الفولكلور الحجازي وأعدتها في اسطوانة أنيقة، لتصدر برعاية صالون المها الأدبي، تحت عنوان (دوها) تغري بالاستماع حتى آخر نغمة، لأنها تقوم على إحياء مساحة مهملة من الذاكرة الشعبية، وهي الموسيقى، بما هي ركيزة مهمة من ركائز الثقافة، التي تعكس إحساس ووعي وطقوس (المجتمع/الذات) التي أنتجتها، ويمكن من خلالها قياس عمق وتنوع ثقافتها الدينية والدنيوية. ومن هذه الزاوية بالتحديد ينبغي التعاطي مع الأهزوجة التي تضع برأيها "اللبنات الأولية في التكوين التفكيري للفرد وتثير خياله وتصوغ وجدانه وتشعل جوارحه وتبث الطمأنينة في نفسه".
ولا شك أنها تدخل هذه المغامرة وهي في حالة حذر من شبهة تشويه الموروث أو تغريبه، حيث تعلن الرغبة في تقديم الأناشيد الشعبية مع الحفاظ على ملامحها الأصلية والأصيلة، كما يتبدى خوفها من المبالغة في الإخلاص للتراث الذي كان سينتج حسب تصورها "شكلاً نمطياً رتيباً مشكلاً بذلك عقبة في طريق إخراج الأغاني بالطريقة المطلوبة" وعليه كان لا بد من وجود صيغة توفيقية بين "قدامة" بحاجة إلى تأكيد أصالتها، مقابل "حداثة" جارفة، على اعتبار أن الفولكلور يحمل سمة الماضي، وهي قيمة روحية تزداد قدسية بتقادم الزمن، ويمكن أن تكون عرضة للاستلاب قبالة الرفعة والسمعة الفنية للموسيقى والآلات الغربية الحديثة، التي قد تزيح هذه الألحان الشعبية عن فطريتها، وتقهر أفقية ألحانها.
ويبدو أن الفنان عبد العزيز فتيحي الذي قام بتوزيع وإخراج العمل كان مسكوناً بذات الهواجس، حيث أخضع هذه القطع العتيقة بطريقة مبتكرة "إلى تقنيات حديثة في الإيقاع والموسيقى، وأضاف إليها ما يخدم التراث ويعيد اكتشافه ويجنبه برودة التكرار وفجاجة العفوية دون المساس بقوانينه الداخلية" بمعنى أنه قد وجد في هذا الكنز الفولكلوري سمة فنية قابلة للاستعادة والتطوير، حيث أعاد بناء الشكل الموسيقي، وحرر الأهازيج من موازينها الأحادية، ليضيف إلى مسحتها الفطرية البدائية بعض الهارمونية، فأحالها إلى ألحان عصرية، بتكنيك وآلات غربية، بعد أن كانت تؤدى بما يتيسر من الأدوات الشعبية كالطقطفة بأصابع اليد والتصفيق بالراحات، كما صعدّها بإيقاعات إبراهيم مدخلي، التي أضفت على الألحان خفة شعورية ملذوذة حفظت لها السمة الغنائية بما هي الصلة الوثيقة بين الشكل الموسيقي والمضمون الشعري، وبالمقابل أحدث حواراً مؤانساً بين نقرات عود غسان رفة مقابل جيتار أسامة مهيب الكهربائي.
إذاً، هي محاولة تتجلى فيها أصالة الموروث حين تقاربه الحداثة الواعية، التي تؤكد أهمية التذكير بالوظيفة الاجتماعية للأغنية الشعبية المتلازمة بدورها مع دورة حياة الإنسان، فالذات التي أنتجت هذا العمل لم تتورط فيه من منطلقات فوقية بقدر ما أرادت التماس مع القاعدة الاجتماعية، وفهم الكينونة التي أنتجت هذا الفن الشعبي وراكمته تاريخياً، داخل الهوية الحجازية، بما هي مصهر كوزموبوليتي، تتداخل في صياغة حسه الفني حالات من التمازج العرقي واللغوي، وهذا هو أحد أهم دوافع إنتاج هذه الاسطوانة، أي الانهمام بتسجيل هذا التراث بما هو تاريخ ومزاج وثقافة ناس يجدون خاصيتهم في الانفتاح والتنوّع.
هكذا تم توليف أهازيج تتجاوز الاحتفال بالمناسبات الدينية إلى أداء شعائرية الطقس الدنيوي، فالمقطوعات الغنائية الثماني التي تحتويها الأسطوانة تتوزع موضوعاتها على هدهدة الطفل، وعودة الأولاد والصبايا من الكتّاب، وزيارة الحرم، وتنويعات على العلاقة العلاقة العاطفية بين المرأة والرجل، حيث تتمظهر الحارة الحجازية كنص غنائي محتشد بكافة المظاهر الإنسانية، المعبر عنها بحس شعبي أصيل، وتزدحم فيه الأصوات المؤكدة على التلاحم البشري، وحيث تتعدد طقوس الإنشاد كتهليلات وزغاريد تبشر بالفرح، كما تتخللها الأذكار والترانيم التي تصعد بالذات إلى حالة من الوجد، فهذه الموسيقى الشعبية لا تنفصل عن الحياة اليومية والطقسية للمجتمع، التي تدعو للاحتشاد والتعبير عن التلاحم الإنساني، بغض النظر عن عوامل الجنس أو العمر أو التراتبية الاجتماعية.
بموجب ذلك التداعي الشعبي جاءت تشكيلة الأصوات التي أدت الأهازيج، من خلال كورال من الأطفال والأولاد على درجة من الدربة والإحساس باللحن والكلمات، فالرهان كما يبدو لم يكن على عذوبة الصوت وصفائه وقوته فقط، بقدر ما كان على منسوب الحنان في الحناجر وقدرتها على التعبير عن اللوعة والأنين والبهجة، بنبرة حجازة خالصة، أي أداء التلوينات الصوتية التي تتميز بها خصاص الغناء الشعبي، بما يختزنه من أنغام راقصة محرضة للأجساد على التماهي مع إيقاعاتها بشيء من الترنح والتمايل كتعبير عن الانتشاء.
ربما تحمل هذه الاسطوانة بعض الاحتفاء بالشخصية الحجازية من الناحية الموضوعية، ولكنها تحمل الرغبة أيضاً في إبراز أصالة الفولكلور كمكمّل للشق المعرفي داخل هوية لا تكف عن محاولات الإعلان عن خصوصيتها، وقدرتها مجاورة الهويات المغايرة، وبالتالي فهي تستبطن انحيازاً صريحاً ناحية السمة الفنية، بمعنى أن الجمالي هو المكوّن المركزي فيها، بما هو الدلالة الرمزية لحس التحضر، كما توج به ابن خلدون قيم التمدّن، إذ لا يحتفي هذا الموروث بالأهازيج ذات النزعة الحربية مثلاً. أما الذات التي تتبناه فقد باتت أكثر حماساً للإسهام في استحضاره وإبقائه حياً وفاعلاً لئلا يضيع فصل من فصول مجتمع غني بإنسانه وثقافته.