حين يغير الزوج القناة (2 من 2)

حين يغير الزوج القناة (2 من 2)

حين يغير الزوج القناة (2 من 2)

[email protected]

هل تعرف شخصا يستجيب لك بهذا الأسلوب؟ تخبره بكل إعجاب وسرور بأن شكله اليوم أنيق, فتفاجأ برده محتدا: وهل كنت رثا في الأيام السابقة؟ أو تسأله ببراءة: هل تعرف الكاتب الفلاني؟ فيجيبك بنظرة حادة: وهل تظن نفسك المثقف الوحيد؟
تمثل الأسطر السابقة أمثلة عن نوعية الاستجابات التي ينتهجها أصحاب السلوك العدواني في التواصل مع الآخرين. ولقد تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن سمات أصحاب السلوك السلبي المفتقدين توكيد الذات, الذين يسمحون للآخر بممارسة حقوقه أكثر من المطالبة بحقوقهم الشخصية أو تأكيد رغباتهم, ووضحنا بعض الاضطرابات النفسية الناشئة عن ممارستهم ذلك النوع من السلوك, وفي المقابل فإنك تجد النقيض التام المخالف لهؤلاء في أصحاب السلوك العدواني, ومن يتمثل عنده هذا السلوك تجده يحرص على تغليب مصلحته وحقوقه بشكل دائم أكثر من حقوق من حوله, وقد لا يترجم السلوك العدواني في الصراخ أو الهجوم فحسب, بل ثمة أشكال متنوعة أخرى كالغضب, والاستهزاء المستمر, وتوجيه ملاحظات ناقدة ساخرة يصعب تقبلها, ما يجعل الممارس لهذا السلوك يعاني التوتر والجفاف في علاقته بالآخرين, الذي قد يفضي إلى ابتعادهم عنه وانعزاله اجتماعيا في حال تصعيده تلك السلوكيات في تعاملاته, فهو وإن كان يحصل بشكل محسوس آني على ما يريده, إلا أنه يخسر الكثير من رصيده الاجتماعي على المدى الطويل, إذ يصعب على الجميع مصادقة فرد عدائي شرس سريع الطلقات والهجمات.
وهذا ما يجعلنا نرغب في التعرف على أسلوب التواصل المفضل انتهاجه مع الآخر, وهو السلوك التوكيدي الذي يعني تعبير الشخص عن وجهة نظره ورغباته ومشاعره بأسلوب هادئ وصادق مع إبدائه الاستعداد نفسه للتعرف على وجهة نظر ورغبات ومشاعر الطرف الآخر, ويفترض ذلك وجود نوعين متساويين من الاحترام في نفسية المؤكد لذاته: احترام الذات, واحترام الآخر.
إن الوعي بنوعية الحالة الشعورية أو وجود الفكرة الدقيقة التي أود توضيحها هو حجر الأساس في عملية التدرب على ممارسة التواصل التوكيدي, إذ كيف أؤكد ما أجهله أو ما لست متأكدة من رغبتي الواضحة فيه, ويتبع ذلك الوعي بوضعية الآخر من خلال القدرة على التقمص العاطفي أو وضع النفس مكان الآخر لمحاولة فهم انفعالاته أو استشفاف دوافعه, ويستلزم ذلك اتخاذ مسافة معينة موضوعية لضمان عدم تكوين أفكار خاطئة تؤدي إلى حدوث ردود أفعال غير متأنية.
من المهم دوما في أي عملية الاتصال التنبه إلى أن كل إنسان يميل إلى ملاحظة الواقع انطلاقا من اهتماماته الخاصة, فهو يدرك ما يخشاه في الدرجة الأولى مما يدفعه في اتجاه الحذر والحكم السلبي نحو الآخر بدلا من اعتماد موقف الشك الإيجابي الذي يعزز موقف الإصغاء إلى ما يبرر تصرف الآخر وليس ما يدعم سلبية الآخر. أما النقطة الثانية التي يستلزم استبقاءها في الذهن فهي أن السلوك السلبي هو الأكثر انتشارا في أنماط الاتصال, إذ لا يجرؤ أغلب الناس على التعبير لفظيا عما يفكرون فيه في الواقع, وبالتالي فمن الخطأ الاعتقاد أن السكوت علامة الرضا, وأن الأشخاص موافقون أو مسرورون حين يلتزمون الصمت أو عدم التعبير.
ويمكنني التأكيد بعد الملاحظة والخبرة أن انتشار السلوك السلبي عائد إلى العديد من الممارسات التربوية لدى الأهل في الصغر, والتي تعزز هذه السلبية في الكبر مثل: الخوف من العقاب, المقارنة بالآخرين, الخشية من الاستهزاء, التقليد, جهل الحقوق الشخصية, وقد يتساءل أحدهم الآن إن كان بإمكانه التحرر من ثقل مبرمجاته الماضية والتغلب على سلبية شخصيته؟ والإجابة هي نعم, ولقد بدأت فعلا بالخطوة الأولى باهتمامك بالاطلاع على هاتين المقالتين.

الأكثر قراءة