النفط والغاز ميزاتان تنافسيتان تمتلكهما المملكة في تصنيع السيارات
النفط والغاز ميزاتان تنافسيتان تمتلكهما المملكة في تصنيع السيارات
تسعى غالبية الدول، إن لم يكن جميعها إلى استغلال الميزات التنافسية التي لديها، والتي من خلالها تستطيع أن توطن الصناعة لديها، وبالتالي تكون دولا مصدرة، وليست مستوردة. فالصناعة اليوم لم يعد لها مكان محدد حول العالم، بل المكان الذي يوجد فيه ميزات تنافسية لها تجد تلك الصناعات تتسابق له، وأكبر دليل على ذلك ما يشاهد اليوم وعلى أرض الواقع، حيث نشاهد صناعات العالم تتسابق لإنشاء صناعات لها في كل من: الهند، الصين، تايلاند، وإندونيسيا، وهجرت تلك الصناعات بلادا مثل الولايات المتحدة، وبعض دول أوروبا. تلك الهجرة الصناعية لتلك الدول الآسيوية لم تكن حبا في تلك الدول، بقدر ما تمتلكه تلك الدول من ميزات تنافسية، مثل العمالة الرخيصة، والمرونة في تطبيق القوانين، وخصوصا القوانين والسياسات المتعلقة بالبيئة.
حقيقة، يصاب الإنسان بكثير من الدهشة، عندما يسمع، أو يقرأ موضوعا يتحدث عن بيئة المملكة الاستثمارية بغير إنصاف، فمثلا نجد أن هناك من يقول إن المملكة لا يمكن أن يكون فيها صناعة منافسة، وخصوصا في صناعة السيارات، وعندما تسأل لماذا لا يمكن أن تكون المملكة دولة تنتج، أو تصنع السيارات؟ تندهش أكثر عندما تسمع الإجابة، والتي تدور حول عدم وفرة الأيدي العمالة في السوق المحلية، وإذا توافرت فهي مرتفعة السعر، مقارنة بغيرها من الدول المنافسة. نعم هذا الكلام صحيح إلى حد ما، ولكن هل العمالة، هي عنصر الإنتاج الذي تقوم عليه صناعة السيارات؟ وهل العمالة أو الأيدي العاملة، هي العامل المؤثر في القوة التنافسية في هذه الصناعة؟ بالطبع العمالة ليست العنصر الوحيد من عناصر الإنتاج، بل هي عنصر واحد من عدد من العناصر الإنتاجية المؤثرة في تلك الصناعة، والتي بالتالي تكون المنتج النهائي. كذلك الأيدي العاملة لها دور كبير في تكلفة الإنتاج، ولكن ليس لها تأثير في القوة التنافسية لوحدها بمعزل عن عوامل الإنتاج الأخرى.
نعم كثير من الدول الصناعية حاليا، إن صح أن نطلق عليها دولا صناعية، كان لديها ميزات تنافسية في توافر العمالة، حيث تمتلك تلك الدول قوة تنافسية في هذا الجانب، ركزت على تلك القوة، وفعلتها، واستطاعت أن تنجح فيها. ولكن نحن هنا في المملكة، هل عرفنا الميزات التنافسية التي لدينا، واستفدنا منها، كما استفاد الآخرون من الأيدي العاملة كميزة تنافسية لهم.
نعم نحن هنا في المملكة يوجد لدينا العديد من الميزات التنافسية الكبرى، والتي لم تقدم للعالم بالصورة والطريقة المناسبة. المملكة حقيقة تعد أرضا خصبة لنمو كثير من الصناعات الصغيرة والكبيرة، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر صناعة السيارات، هذا الصناعة العملاقة، والتي تعد محركا قويا للصناعات المساندة الأخرى. ولعل السؤال المطروح هنا، والذي يتبادر لذهن الكثير من المستثمرين، وخصوصا المحليين منهم، ما الميز التنافسية التي تتمتع بها المملكة وخصوصا في مجال صناعة السيارات؟ صناعة السيارات وغيرها من الصناعات دوما تبحث عن المكان الذي يحقق لها بيئة تنافسية عالية، وخصوصا في تكاليف الإنتاج، لذلك هنا في المملكة نحن نمتلك العديد من الميز التنافسية، والتي يندر وجودها في كثير من البلدان المنافسة على مستوى العالم، ولعل أهمها الاستقرار السياسي، والذي يعد أحد أهم عوامل نمو الصناعات على مستوى العالم، وكذلك الميزة التنافسية الأخرى والتي نمتلك فيها قوة أيضا، وجود اهتمام من قيادة البلد ممثلة في خادم الحرمين الشريفين، والذي يؤكد دوما أهمية الصناعة، وأنها خيار المملكة الاستراتيجي، هذا من ناحية البيئة الاستثمارية، فالبيئة الاستثمارية بيئة استثمارية صحية جدا لرؤوس الأموال. أيضا هناك ميز تنافسية أخرى لا تقل أهمية عما سبق من ميزات، وهي توافر مادة النفط، وكما يعلم الجميع أن المملكة من أكبر الدول المصدرة للنفط على مستوى العالم، وهذا يعطي مؤشرا على أن وفرة الطاقة واعتدال سعرها في السوق المحلية مقارنة بالأسواق الأخرى يعد من أهم الميزات التنافسية الكبرى التي تتفوق فيها المملكة عن غيرها في هذا المجال، أيضا وكما يعلم الجميع أن أغلب السيارات تتكون من مواد الحديد والمعادن، وهذه المواد تتميز فيها المملكة عن غيرها من الدول المنافسة ـ فالمعادن متوافرة وبكميات كبيرة في المملكة، وبأسعار منافسة، وكذلك مادة الحديد والتي تعد أحد المكونات الرئيسة لصناعة السيارات، أيضا هناك مادة أخرى تمتلك فيها المملكة ميزة تنافسية عالية، ويتجه لها حاليا كثير من منتجي السيارات لإدخالها في تكوين السيارات، وذلك من أجل تخفيض تكلفة الإنتاج، وهذه المادة التي يزداد الطلب عليها في السنوات الأخيرة هي مادة الألمنيوم، والتي تمتلك السوق المحلية قوة تنافسية فيها، مقارنة بالدول المنافسة الأخرى.
كذلك مادة البلاستيك، إحدى المواد الرئيسة الداخلة في صناعة السيارات أيضا، وبكميات ليست بقليلة، هذه المادة الصناعية والمهمة تمتلك فيها المملكة قوة تنافسية أيضا، لا يمتلكها المنافسون الآخرون، فالبلاستيك يعتمد في إنتاجه على النفط، كمادة خام، والمملكة في هذا المجال وكونها من كبرى الدول المنتجة للنفط، إضافة إلى أن كبرى الشركات المنتجة للبلاستيك تقع في المملكة، وهي شركة سابك عملاق صناعة البتروكيماويات.
لذلك أليس كل ذلك يعطي قوة تنافسية لصناعة السيارات في السوق المحلية. وإمكانية توطينها. كذلك لا تقف ما تمتاز به المملكة عند هذا الحد من القوة التنافسية في هذه الصناعة، فالمملكة كونها منتجة للنفط، فهي أيضا منتجة للغاز، وهذا يعني أن المملكة تمتلك ميزة تنافسية أخرى تضاف للمميزات التنافسية السابقة. فاليوم صانعو السيارات، وكغيرهم من الصناعيين الآخرين يعدون الغاز مادة محورية في كثير من الصناعات الرئيسة مثل صناعة السيارات، أو الصناعات المساندة الأخرى مثل صناعة الحديد، أو البلاستيك، والتي تحتاج للغاز كمادة مساعدة في مراحل الإنتاج المختلفة.
السوق السعودية، سوق تمتلك العديد من الميزات التنافسية للكثير من الصناعات، ولكن تحتاج منا إلى أن نركز ونفعل ما نمتلكه من ميز تنافسية، وكما استطاع من يمتلك ميزة تنافسية في الأيدي العاملة أن ينجح، وأصبح مقصدا للكثير من الصناعات، نستطيع نحن كذلك وبما نمتلكه من ميز تنافسية قوية ومتعددة أن نكون بلدا صناعيا في جميع الصناعات وليس في صناعة السيارات فقط، وللمعلومية، والذين لا يعرفون واقع الصناعة السعودية، فلدينا حاليا العديد من الصناعات المساندة لصناعة السيارات، والتي تمثل نواة حقيقة لنمو هذه الصناعة الاستراتيجية، فلدينا حاليا مصانع لإنتاج شكمانات السيارات، ومصانع لإنتاج الفلاتر، ومصانع لإنتاج البطاريات، ومصانع لإنتاج إكسسوارات السيارات، ومصانع لإنتاج مقاعد السيارات، وغيرها من الصناعات الأخرى المتخصصة، والتي في النهاية تعد المكون الرئيس لتصنيع السيارات.
وأحب أن أؤكد هنا لغير المنصفين، الذين يرون أن المملكة ليست بلدا مناسبا لقيام صناعة مثل صناعة السيارات، أليست كل الميزات التنافسية، عوامل نجاح للكثير من الصناعات، وخصوصا صناعة السيارات؟
صناعة السيارات صناعة استراتيجية، وإمكانية نجاحها محليا كبير جدا، وهي مقبلة إلى أسوق المحلية وبقوة، فلنكن منصفين، وننظر للواقع بعين من التخصص.
والصناعة عموما لا تنظر، إلا للبيئة المناسبة، والتي تستطيع من خلالها أن تنافس، والبيئة الاستثمارية المحلية بيئة استثمارية، صالحة ومجدية لصناعة مثل صناعة السيارات.