السبت, 26 سبتمبر 2026|13 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في عام 2023، ضربت موجات حر خانقة وجفاف قاسٍ محاصيل الأرز في اليابان، لتتحول تلك الأضرار سريعاً إلى أزمة نقص حادة على المستوى الوطني بلغت ذروتها عام 2024، وأجبرت وزيراً في الحكومة على الاستقالة.

لكن بحلول 2026، انقلبت المعادلة. وجدت طوكيو نفسها تواجه فائضاً قياسياً أجبر وزارة الزراعة على التدخل وإعادة شراء المحصول من الأسواق لمنع انهيار الأسعار.

هذا التحول الدراماتيكي أثار دهشة خبراء السياسات الزراعية، وطرح سؤالاً: كيف انتقلت دولة بحجم اليابان من شح خانق إلى فائض خلال عامين فقط؟

تكمن بداية القصة في أزمة النقص التي عزاها المحللون في المقام الأول إلى تغير المناخ. ففي صيف 2023، أتلفت درجات الحرارة المرتفعة الحبوب، ما خفض المعروض من الأرز عالي الجودة الصالح للاستهلاك والتسويق.

وسجلت أسعار القمح العالمية ارتفاعًا بنسبة 2.6%  خلال أغسطس.

Fri, 04 2026

تزامن هذا التراجع المناخي مع عاملين مفاجئين زادا من وتيرة الاستهلاك، طفرة سياحية كبرى رفعت استهلاك المطاعم، وحمى شراء وهلع جماهيري.

وقال ريوسوكي إينوي، وهو باحث زائر في برنامج اليابان التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، لمجلة "فورتشن" قائلاً: "في الواقع، جميع الخبراء مدهوشون إزاء هذا التقلب".

أشار إينوي، وهو خبير في السياسة الزراعية اليابانية، إلى أنه هو نفسه لم يتوقع حجم هذا التحول الكبير، مضيفاً: "كانت الفجوة بين العرض والطلب موجودة، لكنها لم تكن بتلك الضخامة. إنه أمر وارد الحدوث، وقد يحدث أيضاً في الولايات المتحدة؛ غير أن تقلبات الأسعار في الولايات المتحدة ليست بتلك الحدة".

بدأت القصة عندما هوت المخزونات الخاصة من مستواها الطبيعي البالغ مليوني طن إلى نحو 1.5 مليون طن، وقفز سعر الكيس (5 كيلوجرامات) من ألفي ين (13 دولاراً) مطلع 2024 إلى ذروة بلغت 4300 ين (27 دولاراً) في 2025.

سفينة تفرغ حمولتها في أحد موانئ السعودية.

Thu, 13 2026

وأمام تصاعد الغضب الشعبي، اضطرت الحكومة إلى الإفراج عن احتياطيات الأرز المخصصة للكوارث الطبيعية للمرة الأولى منذ تأسيس ذلك النظام عام 1995، وسط انتقادات لاذعة لتباطؤ استجابتها الرسمية.

أما المفاجأة غير المتوقعة فكانت ردة الفعل التي قادت إلى الفائض؛ فمع اشتعال الأسعار، سارع المزارعون المحليون إلى تكثيف زراعة المحاصيل لتحقيق أرباح استثنائية.

فاق المعروض حجم الطلب بشكل كامل، لتقفز المخزونات الخاصة مجدداً إلى 2.43 مليون طن بحلول منتصف 2026، وتراجعت الأسعار نحو 3300 ين، مع توقعات بهبوطها إلى مستويات ما قبل الأزمة.

وأمام هذا التكدس، تحركت الحكومة لشراء 210 آلاف طن لإعادة ملء مخزونات الطوارئ التي استنزفتها سابقاً.

ويضيف إينوي: "يسعى عديد من الموزعين إلى تعظيم أرباحهم، وحتى الحكومة لا تعرف كيف يجري توزيع الأرز من المزارعين إلى المستهلكين النهائيين".

أسعار الحبوب مرشحة لمواصلة الارتفاع حتى ديسمبر

Tue, 11 2026

وفي الوقت الذي كانت فيه الأسعار تشهد ارتفاعاً حاداً، لم تكن الجهات التنظيمية تدرك جيداً هيكلية سوق الأرز لديها بما يكفي للاستجابة بسرعة.

ولم يتوقف الأمر عند الحدود الداخلية، بل تداخل الملف مع توترات تجارية حادة مع واشنطن. فاليابان، التي تنتج كامل استهلاكها وتفرض قيوداً على التصدير والاستيراد، وجدت نفسها محاصرة بضغوط من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي انتقد في صيف 2025 رفض طوكيو التوسع في استيراد الأرز الأمريكي رغم أزمتها الداخلية.

كانت اليابان تستورد الأرز بالفعل من الولايات المتحدة بموجب حصة معفاة من الرسوم الجمركية تبلغ 770 ألف طن سنوياً، وهي حصة فرضتها منظمة التجارة العالمية، حيث كان يستمد نحو نصف هذه الكمية تاريخياً من الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تزامن حدوث النقص تماماً مع تحول قضية الأرز إلى نقطة خلاف في المحادثات التجارية بين البلدين.

Wed, 05 2026

وهكذا، أسفر اتفاق تجاري أبرم في 2025 عن زيادة مشتريات اليابان من الأرز الأمريكي بنسبة 75%، لتتدفق المحاصيل المستوردة وتفاقم الفائض الحالي.

تزداد الأزمة تعقيداً بسبب البنية الديموغرافية لليابان. يبلغ متوسط عمر المزارع الياباني نحو 67.7 عام، ولا تتجاوز نسبة من هم دون الثلاثين 1.2%. ومع استمرار ظاهرة الهجرة والشيخوخة، تظل الأراضي الزراعية الجبلية المهجورة مهددة بالبوار، ويصعب استصلاحها مجدداً، ما يهدد أمن الغذاء مستقبلاً رغم الفائض المؤقت.

يدعو الخبراء اليوم، مثل ريوسوكي إينوي من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى تبني نموذج تأمين شبيه بالبرامج الأمريكية يعوض المزارعين عندما تهبط الأسعار دون تكلفة الإنتاج البالغة نحو 2800 ين لكل 5 كيلوجرامات، بدلاً من قيود الإنتاج الصارمة.

مع تفاقم موجات الجفاف القياسية، يبدو أن دوامة التذبذب بين الشح والفائض ستظل مستمرة ما لم تعالج طوكيو هشاشة سلاسل الإمداد وتداعيات التغير المناخي.

منتدى الاقتصادية 2026