عندما تتحرك سوق الأسهم السعودية صعودا أو هبوطا، يميل بعض المتابعين إلى ربط الحركة مباشرة بالجهة المنظمة للسوق أو بقيادتها. لكن هذا الربط يخلط بين وظيفتين مختلفتين، تنظيم السوق من جهة، وتسعير الشركات والأوراق المالية من جهة أخرى.
هيئة السوق المالية لا تدير أسعار الأسهم، ولا تتخذ قرارات الاستثمار نيابة عن المستثمرين. وظيفتها الأساسية هي وضع الإطار الذي يجري داخله التداول، ومراقبة الالتزام به، وحماية المستثمرين، وتعزيز العدالة والكفاءة والشفافية.
ويمنح نظام السوق المالية الهيئة شخصية اعتبارية واستقلالا ماليا وإداريا، ويربطها مباشرة برئيس مجلس الوزراء. كما يحظر عليها ممارسة نشاط تجاري، أو امتلاك الأوراق المالية أو إصدارها. وهذه نقطة تساعد على فهم موقعها في السوق، الهيئة جهة تنظيمية ورقابية، وليست مستثمرا أو مديرا لمحفظة أو طرفا في عمليات البيع والشراء.
وتتسع مسؤوليات الهيئة لتشمل تنظيم إصدار الأوراق المالية ومراقبة التعامل بها، والإشراف على الجهات الخاضعة لرقابتها، وتنظيم الإفصاح، ومكافحة الممارسات غير العادلة أو التي تنطوي على احتيال أو تلاعب بما يحمي المواطنين والمستثمرين، وتنظيم السوق المالية وتطويرها. كما تملك صلاحيات مرتبطة بالتراخيص، وصناديق الاستثمار، ونشرات الإصدار، ومتطلبات القوائم المالية، ومراقبة الوسطاء ومؤسسات السوق.
وفي الجانب الرقابي، لا تقتصر مهمة الهيئة على كتابة القواعد. فالنظام يمنحها صلاحية التحري والتحقيق في المخالفات، وطلب السجلات والوثائق ذات الصلة، ومتابعة الالتزام بمتطلبات الإفصاح. وفي المقابل، يفصل النظام بين وظيفة الرقابة ووظيفة الفصل في المنازعات.
إذ تختص لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية بالقضايا الواقعة ضمن أحكام النظام ولوائحه، مع إمكان استئناف قراراتها أمام لجنة الاستئناف. وهكذا تضع الهيئة القواعد وتراقب وتحقق ضمن اختصاصها، بينما توجد آلية للفصل في المنازعات والاعتراضات.
كما تتحمل الشركات المصدرة مسؤولية تقديم الإفصاحات والتقارير الدورية والمعلومات الجوهرية التي يحتاجها المستثمر.
ولا تعني هذه الصلاحيات أن الهيئة هي التي تدير منصة التداول نفسها. فنظام السوق يميز بين الجهة المنظمة وبين السوق ومركز الإيداع ومركز المقاصة. وتخضع هذه الجهات لترخيص الهيئة وإشرافها، بينما تتولى كل جهة أدوارها التشغيلية داخل البنية التحتية للسوق. وتوضح الهيئة أن دورها يتركز على التنظيم والتطوير والإشراف، فيما تمارس السوق المرخصة مثل "مجموعة تداول" أعمال تداول الأوراق المالية.
القرار يبدأ من المجلس
في قلب هذا الهيكل يوجد مجلس هيئة السوق المالية. ووفق النظام، يتكون المجلس من 5 أعضاء متفرغين من ذوي الخبرة والاختصاص، ويعينون بأمر ملكي، ويحدد من بينهم الرئيس ونائبه. ولا تتركز صلاحيات الهيئة النظامية في شخص الرئيس، فالمجلس هو الذي يباشر جميع الصلاحيات المنوطة بالهيئة، ويحدد تنظيم أعمالها وتوزيع مهامها.
وتوضح لائحة عمل المجلس أن مسؤولياته تشمل وضع القواعد والتنظيمات الداخلية، والإشراف على الحوكمة، وقيادة التخطيط الاستراتيجي، وتحديد أولويات السياسات المنظمة للسوق، ومراقبة المخاطر. ويستطيع المجلس تفويض بعض صلاحياته، باستثناء ما خصه به النظام حصرا، مع احتفاظه بحق مراجعة القرارات والتصرفات الصادرة بموجب التفويض.
أما رئيس مجلس الهيئة، فله موقع مزدوج. فهو يرأس المجلس، وفي الوقت نفسه يعد الرئيس التنفيذي للهيئة. ووفق النظام، يتولى تنفيذ سياسة الهيئة وقرارات مجلسها وإدارة شؤونها الإدارية والمالية. كما تنص لائحة المجلس على مسؤوليته عن إدارة الاجتماعات وضمان الالتزام باللائحة، وقيادة المجلس كفريق، وضمان اتخاذ المجلس للقرارات بناء على أساس معرفي سليم ومكتمل، وتمثيل الهيئة أمام الجهات الرسمية، ورفع التقرير السنوي عن أعمالها.
لكن رئاسة المجلس لا تعني الانفراد بالقرار. فاجتماعات المجلس تحتاج إلى حضور ثلاثة أعضاء على الأقل، بينهم الرئيس أو نائبه. وتصدر القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين. وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي يصوت معه رئيس الاجتماع. كما توثق المحاضر نتائج التصويت والآراء المعارضة، ولا يجوز للعضو تفويض عضو آخر للتصويت عنه.
اللجان توزع العمل والرقابة
ويظهر توزيع المسؤوليات بصورة أوضح عند النظر إلى اللجان المنبثقة عن المجلس. فاللجنة الإدارية، التي يرأسها رئيس المجلس، تقدم له المشورة الإدارية والتنظيمية، وتنسق بين وكالات الهيئة وإداراتها. وفي المقابل، تتولى لجان أخرى ملفات متخصصة. فلجنة الموارد البشرية تنظر في سياسات رأس المال البشري والترقيات والتعويضات، بينما تشرف لجنة التحول الرقمي على الخطط والمبادرات التقنية ضمن الصلاحيات المحددة لكل لجنة.
أما لجنة المراجعة فتقدم مثالا إضافيا على توزيع المسؤوليات والرقابة الداخلية. فاللائحة تشترط ألا يكون رئيس المجلس أو نائبه من أعضائها، وأن تكون غالبية أعضائها من المستقلين من خارج الهيئة. وتراقب اللجنة أعمال المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر والرقابة والقوائم المالية، وترفع توصياتها إلى المجلس. ويعكس ذلك نموذجاً يفصل بين التنفيذ والمراجعة والرقابة، بدلا من تركيز جميع الأدوار في يد شخص واحد.
تنظيم السوق لا يعني تحديد اتجاهه
هذا الفصل مهم أيضا عند قراءة حركة الأسهم. فوجود إطار تشريعي قوي، أو صدور تعديل تنظيمي، أو تغير قيادة الجهة المنظمة، لا يعني بالضرورة ارتفاع السوق أو انخفاضه.
دور التنظيم هو وضع قواعد أكثر كفاءة، ورفع مستوى الإفصاح، والحد من الممارسات غير السليمة، وتوفير بيئة أكثر عدالة للمشاركين. أما الأسعار فتتكون داخل السوق نتيجة قرارات البيع والشراء وتقييم المستثمرين للعائد والمخاطر والتوقعات.
وبالنسبة إلى الشركات المدرجة، فإن جانبا رئيسيا من العوامل التي تحدد قيمتها الاقتصادية يبدأ داخل الشركة نفسها. فمجلس إدارة الشركة يتحمل مسؤوليات الحوكمة والإشراف على أعمالها، والجمعية العامة تمارس الصلاحيات المقررة للمساهمين، بينما تتولى الإدارة التنفيذية إدارة النشاط وتنفيذ الخطط. وتعطي الأنظمة واللوائح لكل طرف نطاقا من المسؤوليات والحقوق داخل الشركة.
ومن قرارات هذه الأطراف تتشكل نتائج الأعمال والاستثمارات والتمويل والتوزيعات والتوقعات المستقبلية. ثم يقرأ المستثمر تلك النتائج إلى جانب أسعار الفائدة والسيولة والظروف الاقتصادية والمخاطر، ليقرر السعر الذي يقبل عنده شراء السهم أو بيعه.
لذلك يمكن النظر إلى هيئة السوق المالية باعتبارها الجهة التي تضع قواعد الطريق وتراقب الالتزام بها، لا الجهة التي تحدد وجهة السوق. جودة التنظيم قد ترفع كفاءة السوق وثقة المشاركين على المدى الطويل، لكنها لا تلغي أساسيات التسعير. وفي النهاية، تظل حركة الأسهم نتيجة تفاعل أداء الشركات والتوقعات والسيولة والمخاطر وقرارات المستثمرين، داخل الإطار التنظيمي الذي تعمل الهيئة على تطويره وحمايته.




