أنهت الأسهم السعودية أسبوعها الثامن من الخسائر المتتالية بأكبر تراجع أسبوعي في أكثر من عامين، بعدما فقد مؤشر "تاسي" 4.1%، بما يعادل 411 نقطة، ليغلق عند 9696 نقطة.
ورغم أن الهبوط أعاد الأسعار إلى مستويات أقل وجعل التقييمات أكثر جاذبية، فإن ارتفاع تكلفة رأس المال واستمرار المنافسة من أدوات الدخل الثابت لا يزالان يحدان من قدرة السوق على استعادة توازنها.
وجاء أكثر من نصف خسائر الأسبوع في جلسة الخميس وحدها، التي فقد فيها المؤشر 231 نقطة، متراجعا 2.3%، بالتزامن مع موجة بيع اجتاحت الأسواق الخليجية والعالمية، وامتدت إلى الأسهم الأوروبية والأمريكية، حيث تجاوزت خسائر مؤشر ناسداك 2% خلال التعاملات.
وفي مشهد يعكس حذر المستثمرين، اتجهت الأموال نحو السندات الحكومية في مختلف الأسواق، لترتفع أسعارها وتتراجع عوائدها. لكن السندات لم تكن جميعها ملاذاً من موجة البيع، إذ تعرضت السندات الفرنسية لضغوط ارتبطت بالمخاوف المالية المحلية.
وتشير هذه التحركات إلى تراجع شهية المخاطرة عالميا، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية ومخاوف التضخم وتقييمات الأسهم.
غير أن خسائر السوق السعودية لا تبدأ قصتها من الخميس. فالمؤشر دخل الجلسة الأخيرة مثقلا بتراجعات استمرت سبعة أسابيع، بعدما بدأت الأسعار تفقد جاذبيتها أمام البدائل الاستثمارية، في بيئة ترتفع فيها تكلفة رأس المال.
من أفضل أداء أسبوعي إلى 8 أسابيع من الخسائر
قبل أقل من شهرين، كانت الصورة مختلفة تماما. أنهى "تاسي" أغسطس بأفضل أداء أسبوعي في 7 أشهر، مرتفعا 2.6% إلى 11238 نقطة. لكن قوة الصعود آنذاك حملت معها تساؤلات بشأن قدرة السوق على مواصلة المكاسب.
ففي
تحليل نشرته "الاقتصادية" في نهاية أغسطس، برزت مخاطر جني الأرباح بعدما رفعت موجة الصعود تقييمات الأسهم، دون تحسن مماثل في توقعات أرباح الشركات، بينما حافظت أدوات الدخل الثابت على جاذبيتها.
وكان النشاط الملحوظ للصفقات الكبيرة أحد العوامل التي تستدعي مراقبة سلوك المستثمرين بعد الصعود، هل ستواصل المحافظ طويلة الأجل بناء مراكزها، أم يبدأ المستثمرون قصيرو الأجل جني الأرباح؟
ما حدث لاحقا أن المؤشر دخل سلسلة من 8 تراجعات أسبوعية متتالية، خسر خلالها نحو 13.7% من قيمته.
ولم تكن ضغوط التقييم وحدها حاضرة. ففي منتصف سبتمبر، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية، ما عزز المخاوف بشأن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل والعائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل المخاطرة.
وفي السوق المحلية، ارتفع السايبور لأجل ثلاثة أشهر بنحو نصف نقطة مئوية مقارنة بمستوياته مطلع سبتمبر، ليبلغ نحو 5.52%، رغم تراجعه بنحو ربع نقطة مئوية خلال الأسبوع الأخير.
وبذلك، واجهت الأسهم ضغوطا من جانبين من ناحية أسعار ارتفعت أسرع من توقعات الأرباح في نهاية أغسطس، ومن ناحية أخرى بدائل استثمارية تقدم عوائد مرتفعة بمخاطر أقل نسبيا.
الأسعار تراجعت.. لكن هل أصبحت رخيصة؟
رغم قسوة الخسائر، حمل الأسبوع تطورا مهما في تقييمات الأسهم. فالمؤشر خسر أكثر من 4%، بينما بقيت تقديرات أرباح الشركات للأشهر المقبلة شبه مستقرة، وفق أحدث البيانات المتاحة لـ"بلومبرغ".
وهذا يعني أن التراجع جاء أساسا من انخفاض الأسعار التي يقبل المستثمرون دفعها مقابل الأرباح المتوقعة، وليس من خفض مماثل لتلك التوقعات.
ومع انخفاض الأسعار، تراجع مكرر الربحية المبني على تقديرات العام المقبل إلى نحو 13 مرة، ما جعل الأسهم أقل تكلفة مقارنة بما كانت عليه قبل أسبوع.
لكن انخفاض المكرر لا يكفي وحده للحكم على جاذبية السوق. فالمستثمر لا يقارن الأسهم بتاريخ أسعارها فقط، بل يقارن أيضا العائد المتوقع منها بما يمكن الحصول عليه من البدائل.
وهنا تظهر أهمية سوق السندات.
فعائد أدوات الدين الحكومية السعودية لأجل 10 سنوات لا يزال قرب 6%، مقابل عائد ضمني لأرباح الأسهم المتوقعة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة يبلغ 7.4%.
وبذلك اتسع الفارق بينهما إلى نحو 1.4 نقطة مئوية، مقارنة بنحو 1.2 نقطة مئوية نهاية أغسطس.
هذا التحسن يعني أن المستثمر أصبح يحصل نظريا على عائد أرباح أعلى مقابل السعر الذي يدفعه للأسهم. لكنه لا يعني بالضرورة أن الفارق أصبح كافيا لتعويض المخاطر.
فعوائد السندات الحكومية أكثر قابلية للتنبؤ عند الاحتفاظ بها حتى الاستحقاق، بينما عائد أرباح الأسهم ليس مضمونا، ويتوقف على قدرة الشركات على تحقيق التقديرات، فضلاً عن تقلب أسعارها.
ورغم اتساع الفارق، فإنه لا يزال محدودا مقارنة بمستوياته التاريخية.
وتكمن حساسية السوق في أن خفض توقعات الأرباح قد يقلص هذه الميزة مجدداً، حتى لو لم ترتفع الأسعار. كذلك فإن صعود عوائد السندات سيرفع العائد المطلوب من الأسهم، ما يضغط على تقييماتها.
هل تتغير الصورة للمستثمر طويل الأجل؟
تختلف قراءة الأسعار عندما ينتقل الأفق الاستثماري من أسابيع إلى سنوات. فالمستثمر قصير الأجل يهتم باتجاه الأسعار وتدفق السيولة، بينما تكتسب قدرة الشركات على تنمية أرباحها والحفاظ على عوائد مناسبة لحقوق المساهمين أهمية أكبر لدى المستثمر طويل الأجل.
ومن هذه الزاوية، جعلت التراجعات الأخيرة تقييمات السوق أقرب إلى المستويات التي قد تعكس خصما وفق التقييمات.
لكن هذا الخصم مشروط، وليس حقيقة مستقلة عن أداء الشركات. فإذا تباطأ نمو الأرباح أو تراجعت العوائد على رأس المال، فقد تتقلص الجاذبية التي أوجدها انخفاض الأسعار.
وقد يأتي عامل آخر من سوق السندات نفسها.
فارتفاع عوائد الديون طويلة الأجل خلال الفترة الماضية تزامن مع صعود النفط بفعل اضطرابات الإمدادات العالمية، وما صاحبها من مخاوف تضخمية.
وإذا كانت تلك الاضطرابات مؤقتة، فإن عودة تدفقات النفط إلى طبيعتها قد تخفف الضغوط على الأسعار، وتفتح المجال لتراجع عوائد السندات وتكلفة رأس المال.
وفي هذه الحال، يمكن أن تتحسن جاذبية الأسهم حتى دون زيادة كبيرة في توقعات الأرباح، لأن انخفاض العائد المطلوب يرفع القيمة الحالية للأرباح المستقبلية.
السيولة ترتفع.. والمشترون لم يغيروا الاتجاه
لم تختفِ السيولة من السوق خلال أسبوع الخسائر. بل ارتفعت قيمة التداول 11% إلى 18.84 مليار ريال، مقارنة بنحو 17 مليار ريال في الأسبوع السابق، واستحوذت جلسة الخميس وحدها على نحو 4.9 مليار ريال.
لكن ارتفاع التداول لم يكن مصحوبا بتحسن في اتساع السوق، إذ تراجع 21 قطاعا من أصل 22، تصدرها السلع الرأسمالية والعقارات والتأمين، بينما خالف قطاع الطاقة الاتجاه بارتفاع محدود.
وهذا التباين مهم، فارتفاع التداول لا يعني بالضرورة عودة الطلب الاستثماري، إذ يمكن أن تتزايد الصفقات مع تسارع البيع بالقدر نفسه.
ولا تكفي بيانات السيولة وحدها للحكم على غياب المحافظ طويلة الأجل، لكنها تظهر أن الطلب، أياً كان مصدره، لم يتمكن حتى الآن من استيعاب المعروض وتغيير اتجاه الأسعار.
بعد 8 أسابيع من التراجع، بدأت السوق تدخل نطاقا أكثر جاذبية للاستثمار طويل الأجل. وقد تتعزز هذه الجاذبية إذا كانت اضطرابات إمدادات النفط مؤقتة، بما يسمح بانحسار الضغوط التضخمية وتراجع عوائد السندات، ومن ثم انخفاض تكلفة رأس المال.
لكن تأكيد تحول السوق نحو مستويات تقييم أكثر استدامة سيظل مرهونا بظهور بيانات تدعم هذا المسار، إلى جانب تحسن نمو أرباح الشركات وتوقعاتها بعد موسم النتائج المالية.
وبذلك، فإن الأسعار الحالية بدأت تعكس فرصا أفضل للمستثمر طويل الأجل، بينما يبقى توقيت تعافي السوق مرتبطا بتحقق هذه العوامل وعودة الطلب الاستثماري.
وحدة التحليل المالي