تشهد الأسواق العقارية العالمية موجة استثمارية جديدة تقودها الشركات الصينية، التي باتت تركّز بشكل متزايد على العقارات الصناعية واللوجستية والمشروعات الحضرية الذكية خارج حدودها، في تحول واضح عن نماذج التطوير السكني التقليدية التي فقدت بريقها خلال السنوات الأخيرة.
ووفق تقرير صادر في يناير عن شركة الاستشارات العقارية العالمية نايت فرانك، تتجه الشركات الصينية إلى ضخ استثمارات متنامية في مرافق الطاقة الجديدة، ومراكز لوجستيات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، ومشروعات المدن الذكية، التي أصبحت تمثل أبرز وجهات الجذب الاستثماري في المرحلة الحالية.
وتوقع التقرير أن ينمو الاستثمار الخارجي السنوي للشركات الصينية في هذه القطاعات بنسبة 15% سنويًا بحلول 2026، حسب "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
أشارت فيرجينيا هوانغ، المديرة الإدارية لشمال وشرق الصين في نايت فرانك، إلى أن التوسع الخارجي للشركات الصينية "يعيد تشكيل خريطة القطاع العقاري عالميًا، سواء من حيث نوعية الاستثمارات أو المناطق المستهدفة أو نماذج الأعمال"، مؤكدة أن التحول لم يعد يقتصر على التملك، بل يشمل الاستثمار والتطوير والتشغيل معًا.
وتبرز منطقة الشرق الأوسط كوجهة رئيسية لهذه الاستثمارات، ولا سيما في مجال العقارات المرتبطة بالمدن الذكية، مع مشاريع مستقبلية كبرى مثل السعودية.
تشمل بعض الوجهات الاستثمارية الواعدة العقارات التجارية والصناعية الداعمة في مراكز إفريقية رئيسية مثل نيروبي في كينيا ولاجوس في نيجيريا، إضافة إلى عقارات الخدمات اللوجستية والتخزين في مدن أمريكا اللاتينية مثل مونتيري في المكسيك وبوغوتا في كولومبيا، وفقًا لشركة نايت فرانك.
تقوم شركة هندسة البناء الحكومية الصينية، المدرجة في بورصة شنغهاي، ببناء نفق جبلي لمشروع "ذا لاين"، المدينة المستقبلية في السعودية، يبلغ طولها 170 كيلومترًا (106 أميال) وعرضها 200 متر (656 قدمًا). وتبلغ قيمة المشروع 7.86 مليار يوان (1.13 مليار دولار أمريكي).
وتضم قائمة المستثمرين الصينيين الرئيسيين منصات تطوير حضري مدعومة من الدولة، ومطوري عقارات محليين، إلى جانب مشغلي أصول صناعية ولوجستية محترفين.
وتعد شركة SF Holding من أبرز الأمثلة، إذ تجاوزت المساحات الإجمالية لمستودعاتها الخارجية 2.5 مليون متر مربع حتى منتصف 2025، معظمها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
تتمتع شركة تشاينا ووي المدرجة في بورصة شنتشن والتابعة لمجموعة فوجيان للاستثمار الإنشائي، بحضور إنشائي واسع في كينيا شمل تنفيذ أكثر من 1800 كيلومتر من الطرق ونحو 1.22 مليون متر مربع من المشاريع العقارية.
في سياق أوسع، تركز الشركات الصينية بشكل متزايد على تطوير العقارات الصناعية في جنوب شرق آسيا لتلبية الطلب على نقل التصنيع، في حين تواصل العقارات التجارية عالية الجودة في المدن الأوروبية الرئيسية، إلى جانب العقارات التجارية والصناعية الداعمة في كبرى المدن الإفريقية، جذب اهتمام المستثمرين.
ووفقًا لشركة نايت فرانك، يشهد الاستثمار العقاري الخارجي للشركات الصينية تحولًا من نموذج يعتمد على التطوير كثيف الأصول إلى نموذج متكامل يجمع بين الاستثمار والبناء والتشغيل، مع دمج أعمق لمعايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، بما في ذلك تنفيذ مشاريع منخفضة الانبعاثات الكربونية.
ورغم الفرص المتاحة، تواجه هذه الاستثمارات تحديات متزايدة، أبرزها التوترات الجيوسياسية وتقلب الأنظمة المتعلقة بتملك الأراضي وتأجيرها للأجانب، ما يضيف قدرًا من عدم اليقين التنظيمي، إلى جانب تأثير تقلبات الرسوم الجمركية على التكاليف.
كما لجأت بعض الشركات إلى نقل مواقع إنتاجها إلى أسواق بديلة، في وقت لا تزال فيه فجوات البنية التحتية، خصوصًا في مجالي الطاقة والنقل، تؤثر في كفاءة التشغيل.



