كيف يمكن لضربة صاروخية على منشأة غاز قطرية أن ترفع سعر الأرز في بنجلادش؟ الجواب سلعة غير جذابة، لكنها مع ذلك تشكل جزءا كبيرا من غذاء العالم: الأسمدة.
تحرق قطر الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا، التي تُحول إلى يوريا. تُضاف اليوريا إلى التربة، ومنها تستخرج الحبوب.
بحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست"، تعطيل الخطوة الأولى، كما فعلت إيران عندما ضربت منشأة معالجة الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة في الأول من مارس، سيؤدي إلى تراكم التداعيات على طول سلسلة الإنتاج الغذائي.
قفز سعر اليوريا في جنوب شرق آسيا أكثر من 40% منذ توقف محطة الغاز الطبيعي المسال القطرية عن العمل.
وبحلول يوم الاثنين، تجاوزت أسعار شحنات شهري أبريل ومايو 700 دولار أمريكي للطن، وهو أعلى مستوى لها منذ الربع الثالث من 2022 عندما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطراب الإمدادات العالمية.
تشكل منطقة الخليج حاليا نحو 45% من صادرات اليوريا العالمية.
لكن الهجمات الإيرانية جعلت المرور عبر مضيق هرمز محفوفا بالمخاطر. ونتيجة لذلك، توقفت شحنات تمثل نحو ثلث الأسمدة المتداولة عالميا، وتُعد آسيا من بين أكثر المناطق عرضة للخطر.
3 إلى 4 ملايين طن لن تصل الأسواق شهريا
وفقا لتقديرات شركة التحليلات Signal Ocean، ما بين 3 إلى 4 ملايين طن من الأسمدة شهريا لن تصل إلى الأسواق طالما بقي مضيق هرمز مغلقا.
وسيكون التأثير شديدا على جنوب آسيا. تستورد باكستان معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، بينما تُزود قطر الهند بأكثر من 40% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، ونحو ثلثي واردات بنجلادش.
جميع مصانع الأمونيا البالغ عددها 32 مصنعا في الهند - إحدى أكبر الدول المنتجة للأسمدة النيتروجينية في العالم - تعمل بالغاز. ووفقا لتقارير إعلامية هندية، أُغلق أحد المصانع بسبب النقص، بينما خفضت 3 مصانع أخرى إنتاجها.
يرى كريس لوسون، نائب رئيس قسم معلومات السوق والأسعار في مجموعة CRU، أن الدول الثلاث في جنوب آسيا ستضطر إلى "دفع ثمن باهظ جدا" للأسمدة، في حال تمكنت من الحصول عليها في السوق المفتوحة. وإذا لم تحصل عليها، فإن ذلك سيؤثر في النهاية على محاصيل المواسم القادم.
الوقت عامل حاسم، إذ يقوم المزارعون في شمال الهند وباكستان عادة بتسميد محاصيل موسم الأمطار الصيفية، مثل الأرز وقصب السكر والذرة والقطن، بين شهري أبريل ويوليو.
تشير تقديرات مجموعة CRU إلى أنه في حال استمرار تعطل إمدادات الخليج حتى أوائل أبريل، فقد تصل احتياجات المشترين الإضافية في جنوب آسيا إلى 1.5 مليون طن شهريا.
تأثير التأخر في أغسطس
ما يزيد صعوبة إدارة هذه الأزمة الوشيكة هو أن آثارها لا تظهر فورا. فالأسمدة التي لم تشتر في مارس لا تعني بالضرورة رفوفا فارغة في أبريل، بل انخفاضا في المحاصيل في أغسطس، وعندها يكون الموسم قد انتهى ولا يمكن فعل شيء حيال ذلك.
في تحليل وُزع على العملاء بداية هذا الشهر، حذرت مجموعة CRU من أنه في حال استمرار اضطرابات الخليج لما بعد 20 مارس، فإن "الخطر الرئيسي سيتحول إلى انقطاعات أوسع في الإمدادات" نتيجة لتقييد طرق التصدير، ومحدودية سعة التخزين.
وحتى لو خفت حدة التوترات، فإن إعادة تشغيل الطاقة الإنتاجية المتوقفة ستستغرق أسبوعين إضافيين، ما يؤدي إلى "انخفاضا ملموسا" في إمدادات الشرق الأوسط حتى أواخر مارس على الأقل.
أدت اضطرابات بهذا الحجم إلى سلسلة من ردود الفعل في الماضي، بحسب Signal Ocean . حيث يستخدم المزارعون أسمدة أقل، وتُترك الأراضي الهامشية التي تحتاج إلى مدخلات أكبر دون زراعة، ويتجه المنتجون نحو محاصيل أقل استهلاكا للنيتروجين.
مثلا، قد يحل فول الصويا محل الذرة، ما يُؤدي إلى فائض في سوق ونقص في سوق أخرى. وإذا تخلى عدد كاف من المنتجين عن زراعة الذرة، فسيصبح علف الحيوانات نادرا وسترتفع أسعاره، وسيتبع ذلك ارتفاع في أسعار اللحوم والأسماك المستزرعة.
الهند والصين الأكثر عرضة للاضطرابات
بحسب تقديرات Signal Ocean، فإن الهند والصين هما الأكثر عرضة لتأثير اضطرابات الإمدادات، إذ تعتمد كل منهما على الخليج لتأمين نحو 20% من واردات الأسمدة .
أوضحت الشركة أن النتيجة المحتملة ستكون انخفاض المحاصيل العالمية، وارتفاع أسعار الأعلاف والمواد الغذائية، وزيادة التقلبات في أسواق السلع الزراعية.
قد يسعى مصدرون بديلون، أبرزهم الولايات المتحدة والبرازيل، لتعويض جزء من النقص، لكن الشركة أشارت إلى أن توقيت وحجم هذه الاستجابة سيكونان حاسمين في تحديد مدى خطورة التأثير.
خيارات مستحيلة
على صعيد المزارعين الأفراد في أطراف سلاسل الإمداد، قد تكون الآثار مدمرة، بحسب ألكسندرا براند، نائبة رئيس شؤون الاستدامة والشؤون المؤسسية في شركة التكنولوجيا الزراعية Syngenta Group.
وأوضحت أن هؤلاء المزارعين يعملون بالفعل بهوامش ربح ضئيلة جدا، وقد يضطرون لاتخاذ خيارات صعبة خلال الأشهر المقبلة إذا ارتفعت تكاليف الأسمدة بشكل حاد ونقصت الإمدادات.
أوضحت براند أن صغار المزارعين والمزارع العائلية والمزارع التجارية الكبيرة سيشعرون جميعا بالضغط، حيث سيتعين على كل منهم الاختيار بين دفع أسعار لا يستطيعون تحملها، أو زراعة مساحات أقل، أو الاستغناء عن الأسمدة تماما وقبول محصول أصغر.
وقالت إن استمرار انقطاع إمدادات الأسمدة يُهدد "الإنتاجية الزراعية وتوفر الغذاء لملايين الناس".
في الوقت الراهن، لا تزال الحقول تُزرع. لكن معظم الأسمدة التي كان من المفترض أن تصل إلى مزارع آسيا إما عالقة في الخليج أو لم تنتج أصلا.
وسيظهر محصول هذا العام هذه الحقيقة. وبحلول الوقت الذي تظهر فيه الآثار، قد يكون الوقت قد فات للتحرك.

