تخفي أسعار الغاز المرتفعة وتراجع ثقة المستهلكين بسبب تكاليف المعيشة، قوة الاقتصاد الأمريكي في الفترة الأخيرة، الذي لم يكتفِ بامتصاص صدمات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب والحرب مع إيران، بل واصل العمل بوتيرة قوية.
أدرك صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن الاقتصاد لا يزال صامدا وينمو بقوة، عندما رفعوا أسعار الفائدة في وقت سابق من سبتمبر لكبح التضخم.
لكن الاقتصاد القوي يفرض في المقابل ضغوطا تضخمية أكبر، ما دفع عوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع، وزاد عبء خدمة الدين الأمريكي البالغ نحو 40 تريليون دولار.
ويبدو الاقتصاد الأمريكي حاليا عالقا في سباق مع تكلفة الاقتراض، إذ يتعين عليه الحفاظ على نمو يفوق سرعة ارتفاع الدين، لتجنب مرحلة تتسارع فيها الديون بوتيرة أكبر من نمو الاقتصاد نفسه، حسب مجلة فورتشن.
حتى الآن، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي متقدما على أسعار الفائدة. فنمو الاقتصاد الحقيقي المعدل وفق التضخم يدور حول 2%، بينما يتجاوز النمو الاسمي 6%، مستوى لا يزال أعلى من عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات البالغ 5.16%، رغم ارتفاعه بأكثر من نقطة مئوية كاملة منذ اندلاع الحرب مع إيران.
قد يشهد النمو تسارعا أكبر خلال الربع الثالث، بعدما سجل مؤشر حديث لنشاط الأعمال الأمريكي في سبتمبر أعلى مستوى له في 5 أعوام.
يؤدي ازدهار الذكاء الاصطناعي دورا رئيسا في هذا الأداء، إذ يتوقع أن تبلغ النفقات الرأسمالية لشركات ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا وأوراكل و«سبيس إكس» نحو 870 مليار دولار هذا العام، ارتفاعا من 470 مليار دولار في 2025.
وقدرت «إس آند بي جلوبال» في أغسطس أن يتجاوز إنفاق شركات الحوسبة السحابية العملاقة 1.3 تريليون دولار في 2027.
يمتد أثر طفرة الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات الاقتصاد التقليدية، مع استفادة شركات صناعية مثل «كاتربيلر» و«جنرال إلكتريك» من طفرة مراكز البيانات.
وقال جوناثان بينجل، الاقتصادي لدى «يو بي إس»، إن حجم واتساع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتأثيرها في قطاعات أخرى، يفوق التوقعات.
كما يمثل عجز الموازنة الفيدرالية البالغ نحو تريليوني دولار سنويا عاملا إضافيا لدعم النشاط الاقتصادي، إذ يتجه جزء كبير من الأموال التي تجمعها الحكومة عبر إصدار الديون إلى جيوب المستهلكين، خصوصا من خلال مدفوعات الاستحقاقات، ما يظهر في النهاية على أرباح الشركات وتقييمات الأسهم.
لكن السؤال الأهم يتمثل في قدرة الاقتصاد الأمريكي على مواصلة النمو بوتيرة تتجاوز نمو الدين.
ويحذر بعض محللي «وول ستريت» من أن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد تنفجر، ما يهدد أحد أهم محركات النمو الحالية. كما أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يحد من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
وتوقع روتشير شارما، رئيس «روكفلر إنترناشيونال»، أن تنفجر الفقاعة إذا تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5% بشكل واضح، معتبرا ذلك مؤشرا على دخول الاقتصاد مرحلة نقدية أكثر تشددا، تصبح فيها مشاريع الذكاء الاصطناعي الضخمة أصعب تمويلا.
تحذر لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة من أن ارتفاع أسعار الفائدة على سندات الخزانة الجديدة إلى نحو 5%، مقابل توقعات بنمو اقتصادي اسمي أقرب إلى 4% على المدى المتوسط، قد يدفع الولايات المتحدة نحو دوامة ديون، وفقا لمجلة فورتشن.
ولا ترتبط عوائد السندات بالنمو وحده، إذ تنافس دول أخرى مرتفعة المديونية وشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة الحكومة الأمريكية على أموال المستثمرين. كما تضيف الحروب والاحتكاكات التجارية والكوارث المتكررة علاوة مخاطر إلى العوائد.
يبقى موقف الاحتياطي الفيدرالي تجاه التضخم عاملا حاسما. كتب إد يارديني، المخضرم في «وول ستريت»، أن «مراقبي السندات» كانوا في الماضي، خصوصا خلال ثمانينيات القرن الماضي، يدفعون العوائد فوق النمو الاقتصادي الاسمي لإبطاء الاقتصاد، محذرا من تكرار ذلك إذا فشل الفيدرالي في كبح التضخم.





