الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في الوقت الذي كان تصميم فيلا سكنية يستغرق مدة زمنية من 45 يوما إلى عدة أشهر بين شد وجذب بين المعماري والإنشائي، بات اليوم ينجز في 72 ساعة، ليس لأن المهندس أصبح أسرع، بل لأن زميلا جديدا دخل المكتب الهندسي لا ينام ولا يتقاضى راتبا هو الذكاء الاصطناعي.

باتت هذه التقنية التي اقتحمت عالم المكاتب الهندسية والأفراد تقلص كثيرا من مكاسب المكاتب الهندسية في السعودية، بعد أن وصلت أسعار تصاميم المساكن الشخصية إلى 90 ألف ريال.

وهنا قال لـ"الاقتصادية" معماريون متخصصون، "إن 83% من المهندسين العاملين في إدارة التصميم المعماري يستخدمون الذكاء الاصطناعي"، مؤكدين أن الأدوار التي تتطلب حكما تصميميا وتفاوضا مع الملاك والجهات الرقابية، ما زالت وستبقى بحاجة ماسة لخبرة المهندس البشري.

"الاقتصادية" استقصت كثيرا من الآراء والحقائق والمعلومات لبحث أبعاد تأثيرات دخول تقنية الذكاء الاصطناعي على آلاف المكاتب الهندسية العاملة في السعودية.

قيمة تصميم فيلا تعادل اشتراك باقة لألف سنة ضوئية

وقال رجل الأعمال أحمد بن عبدالكريم الخضير، بشأن التعاقد مع شركة للتصميم الداخلي لفيلا خاصة، "جلست معهم 6 أشهر في الأخذ والرد وطلبوا مني مبلغ 90 ألف ريال قيمة التصميم، ولم يصلوا إلى ربع المأمول".

أضاف "تعاملت مع الذكاء الاصطناعي بعد إدخال احتياجاتي، فأبهرتني نتائجه، ولم يصل الأخذ والرد معه سوى 3 أيام، وسلمت التقرير النهائي للشركة وقلت طبقوا هذا، والمشكلة أن مبلغ التصميم يكفي للاشتراك بأعلى باقة لمدة ألف سنة ضوئية".

وتشير بعض الدراسات إلى أن الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تخفض أخطاء التخطيط بنحو 50%، وتقلل هدر مواد البناء بنسبة قد تصل إلى 40% نتيجة دقة النماذج الرقمية.

أدوات أصبحت جزءا من الروتين اليومي للشركات

من جانبه، قال المتخصص في القطاع الهندسي الدكتور عزام العصيمي، إنه قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن "الذكاء الاصطناعي في التصميم المعماري" يبدو أقرب للخيال العلمي في جلسات المكاتب الهندسية.

أضاف، "لكن اليوم، تغير المشهد كليا، فمن دراسة موقع المشروع إلى المحاكاة ثلاثية الأبعاد وتصور الواجهات ومحاكاة استهلاك الطاقة، أصبحت هذه الأدوات جزءا من الروتين اليومي لكثير من الشركات والمكاتب الهندسية".

أشار إلى أنه "مع ما تشهده المملكة من زخم مشاريع عملاقة ضمن رؤية 2030 كنيوم، والبحر الأحمر، والقدية، يصبح سؤال (أين موقع المهندس السعودي من كل هذا؟)، سؤالا مشروعا يستحق إجابة واضحة، لا مبالغة تسويقية ولا تهويلا مبالغا فيه".

Untitled design(21)

فارق جوهري بين تهديد المهام وتهديد الوظائف 

ويقدر تقرير لشركة ماكنزي حول قطاعي الهندسة المعمارية والإنشاءات، أن الذكاء الاصطناعي قادر تقنيا على أتمتة نحو 50% من الأعمال غير الجسدية في الهندسة المعمارية والإنشائية، مقابل 39% في قطاع المقاولات والتنفيذ، فيما تشير تقديرات أخرى للشركة نفسها إلى أن 30% من مهام التصميم وإعداد المخططات قابلة للأتمتة.

وبحسب العصيمي، لا يعني ذلك أن ثلث المعماريين سيفقدون وظائفهم غدا، بل يعني أن طبيعة عملهم ستتغير، خصوصا في المهام الروتينية المتكررة كرسم التفاصيل الإنشائية القياسية، مضيفا أن "الفارق بين تهديد المهام وتهديد الوظائف فارق جوهري".

ذكر، أنه من واقع دراسة شملت عددا من المهنيين في إدارة التصميم المعماري، تبين أن 83% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي، خاصة في تكرار التصميم وتحسينه والتأكد من مطابقته لمتطلبات المشروع، ومع ذلك لم يُترجم هذا إلى استغناء جماعي عن الكوادر، بل إلى إعادة توزيع للأدوار.

Sat, 19 2026

الذكاء الاصطناعي يقلص وقت التصميم إلى 70%

ذكر الدكتور عزام العصيمي أن الوظائف الأكثر عرضة للتغيير هي تلك المبنية على مهام متكررة قليلة الابتكار، كرسم المخططات القياسية والمراجعة الروتينية، أما الأدوار التي تتطلب حكما تصميميا وتفاوضا مع الملاك والجهات الرقابية، فما زالت وستبقى بحاجة ماسة لخبرة المهندس.

أشار العصيمي إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تقليص وقت التصميم 75 %، بل ومتجاوَز أحيانا، في مراحل بعينها من التصميم.

أضاف "خذ على سبيل المثال تجربة شركة AFRY الهندسية عند استخدامها منصة Forma من أوتوديسك؛ فقد انخفض الوقت اللازم لدراسات الحجم الكتلي للمبنى من يومين كاملين إلى ساعة ونصف فقط، أي تقليص يفوق 90% في تلك المرحلة تحديدا، وفي مكتب MBH Architects الأمريكي، أُنجز عمل تحليل الموقع الأولي وتقييم البدائل التصميمية خلال ست ساعات فقط، بعد أن كان يستغرق أسبوعين كاملين".

Untitled design(22)

توفير زمني ورفع كفاءة عملية التصميم 30%

وأظهر استطلاع صناعي حديث شمل نحو 800 معماري ومصمم حول العالم أن 86% ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي حققو توفيرا زمنيا ملموسا، وأن 59% يوفرون خمس ساعات أسبوعيا على الأقل، وتشير دراسات أخرى إلى أن هذه الأدوات ترفع كفاءة عملية التصميم بنسبة 30%، وتخفض أخطاء التخطيط بنحو النصف.

ولأن ساعات العمل الهندسي هي المكون الأكبر في تكلفة أي خدمة تصميم، فإن كل ساعة يوفرها الذكاء الاصطناعي في هذه المراحل تنعكس مباشرة على تخفيض الأتعاب، ويضاف إليها توفير غير مباشر ناتج عن تقليل التعديلات المتكررة وتصحيح الأخطاء المكتشفة متأخرا في الموقع.

وأصبحت أنظمة النمذجة  المزوَدة بأدوات ذكاء اصطناعي قادرة على الكشف التلقائي عن التعارضات بين المخططات المعمارية والإنشائية والكهروميكانيكية قبل بدء التنفيذ الفعلي، ما يوفر وحده أسابيع من إعادة العمل في الموقع.

Sat, 19 2026

تخصصات هجينة جديدة كمهندس التصميم التوليدي

وذكر العصيمي "سنرى بروز تخصصات هجينة جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، كمهندس التصميم التوليدي، وهو مصطلح جديد نسبيا في سوق العمل الهندسي ويقصد به المهندس المتخصص في استخدام تقنيات التصميم عبر الذكاء الاصطناعي".

وذلك علاوة على محلل البيانات الهندسية، ومختص أنظمة المباني الذكية، وهي وظائف تتوقع جهات محلية نموها بشكل ملحوظ، ضمن مسار رؤية 2030، إلى جانب مهندس الصيانة التنبؤية ومحلل النظم الصناعية، بحسب العصيمي.

أضاف "باختصار، لا أعتقد أن المكتب الهندسي التقليدي سيختفي، لكنه سيتحول شيئا فشيئا من (مصنع مخططات) إلى (مركز قرار تصميمي)، يعتمد على الذكاء الاصطناعي في الإنتاج السريع للبدائل والمحاكاة، ليلغي جزءا كبيرا من الوقت الذي كان المهندس يقضيه في الأعمال المتكررة.

في حين يتفرغ المهندس البشري لما لا يستطيع أي نظام آلي منافسته فيه: الحكم الهندسي، والإبداع، والمسؤولية المهنية والقانونية عن التصميم النهائي".

المشاريع الذكية تجعل AI شرطا تنافسيا لا رفاهية 

تشير التقديرات إلى أن الإنفاق السعودي على هذا القطاع وحده قد يتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2030 ، وهو ما سينعكس حتما على الهندسة والتشييد باعتبارهما من أكثر القطاعات استفادة من الأتمتة والتحليل التنبؤي.

أضاف "على المستوى المحلي تحديدا، أرى أن مشاريع مثل مدينة نيوم، التي تعتمد على الطاقة المتجددة وإدارة ذكية عبر الذكاء الاصطناعي، ستجعل إتقان هذه الأدوات شرطا تنافسيا لا رفاهية للمكاتب الراغبة في المنافسة على مشاريع من هذا الحجم".

الذكاء الاصطناعي لا يلغي المهندس بل الوقت

من جهته، يرى الرئيس التنفيذي لشركة رعود العقارية المهندس عبد الناصر العبد اللطيف، أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي المهندس، لكنه يلغي جزءا كبيرا من الوقت الذي كان المهندس يقضيه في الأعمال المتكررة.

وقال العبد اللطيف المتخصص في قطاع الهندسة والبناء "لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يهدد مهنة المهندس بقدر ما يغير طبيعة عمله، فالمهندس الذي يعتمد فقط على الأعمال المتكررة سيكون أكثر عرضة للاستبدال، بينما المهندس الذي يجيد الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر إنتاجية وقيمة".

أما تحديد نسبة ثابتة لتقليص الموظفين فهو غير دقيق؛ لأن التأثير يختلف حسب حجم المكتب وطبيعة المشاريع والخدمات التي يقدمها، لكن من الممكن أن ترتفع إنتاجية بعض فرق التصميم، ما يعني أن المكتب قد ينجز حجم أعمال أكبر بعدد موظفين أقل، أو ينجز نفس حجم الأعمال بعدد ساعات أقل.

Sat, 19 2026

قيمة العمل الهندسي أصبحت مرتبطة أكثر بالخبرة

وعن كون الذكاء الاصطناعي قلص وقت التصميم إلى 70% وبالتالي قلص تكاليف التصميم المالية بنسبة كبيرة جدا، قال الرئيس التنفيذي لشركة رعود العقارية، إن "رقم 70% لا يمكن اعتباره قاعدة عامة لكل المشاريع الهندسية، لكنه قد يكون ممكنا في مراحل أو مهام محددة من العملية التصميمية".

أشار إلى أن انخفاض الوقت لا يعني تلقائيا انخفاض أتعاب المكتب بنفس النسبة؛ لأن قيمة العمل الهندسي أصبحت مرتبطة أكثر بالخبرة والقرار وجودة المخرجات، وليس بعدد الساعات فقط.

أوضح "اليوم يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر وقتا كبيرا في توليد الأفكار، دراسة البدائل، لكن هناك اشتراطات، كود بناء، أنظمة إنشائية، كهرباء وميكانيكا، متطلبات بلدية، كميات، ميزانية، واعتمادات ومسؤولية مهنية".

اختصار التصور والدراسات إلى ساعات بدلا من أيام

Untitled design(23)

العبد اللطيف ذكر أنه في السابق، تصميم الفيلا السكنية كان يمكن أن يستغرق عدة أسابيع، وقد يمتد إلى شهر أو أكثر بحسب مساحة المشروع وعدد التعديلات ومستوى التفاصيل المطلوبة.

أشار إلى أن اليوم يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر بشكل كبير مرحلة التصور والدراسات الأولية، أحيانا نستطيع الوصول إلى عدة بدائل تصميمية خلال ساعات بدل أيام، لكن يجب التفريق بين التصور الأولي والتصميم الهندسي القابل للتنفيذ.

أرجع العبداللطيف أن الموضوع لا يتعلق بالمعماري وحده؛ بل يتداخل فيه الإنشائي والكهرباء والميكانيكا والسلامة والمواصفات والكميات والاعتمادات، لذلك الذكاء الاصطناعي لم يجعل المشروع يُنجز في أيام، لكنه جعل جزءا كبيرا من المراحل أكثر سرعة.

Fri, 18 2026

المسؤولية النهائية تبقى على المهندس والمكتب الهندسي

فيما يتعلق بالمسؤولية، قال "إن المسؤولية النهائية تظل على المهندس والمكتب الهندسي، لذلك كلما أصبحت الأدوات أكثر ذكاء، أصبحت الحاجة إلى المهندس صاحب الخبرة أكبر في اتخاذ القرار والتحقق من النتائج، خاصة أن الذكاء الاصطناعي أداة للمساعدة على اكتشاف الأخطاء وليس بديلا".

لكن العبد اللطيف توقع أن يواجه المكتب الهندسي التقليدي الذي يعتمد على عدد كبير من الموظفين لتنفيذ الأعمال المتكررة، ضغطا أكبر على الأسعار والمدة والتنافسية.

في المقابل، ستظهر مكاتب هندسية أكثر رشاقة، تعتمد على فرق أصغر ولكن أكثر خبرة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي وBIM والأتمتة لإنتاج أعمال أكبر وبسرعة أعلى.

الفائز هو من يعرف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي 

الرئيس التنفيذي لشركة رعود العقارية، يرى أن المنافسة خلال السنوات الخمس المقبلة لن تكون فقط بين مكتب هندسي ومكتب هندسي، بل بين مكتب يستخدم التقنية بذكاء ومكتب ما زال يعمل بالطريقة التقليدية.

وفي النهاية، لن يكون الفائز هو من يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، وإنما من يعرف أين يستخدمه، وكيف يتحقق من نتائجه، وكيف يحول هذه التقنية إلى قيمة حقيقية للعميل، حيث سيكون لديه وقت أكبر للتفكير، والتحليل، واتخاذ القرار، والإبداع وحل المشكلات.

واختتم حديثه قائلا: "باختصار الذكاء الاصطناعي لن يلغي الهندسة، لكنه سيغير المهندس الذي نحتاجه في المستقبل".

التأثير لن يكون في إلغاء الوظائف بل في إعادة تشكيلها

من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة آد للهندسة، المهندس عيسى التميمي، أن إحدى أهم الميزات التنافسية للمهندس والمكتب الهندسي خلال السنوات المقبلة، ستكون مدى قدرته على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتطويعها لخدمة العمل الهندسي.

وقال "لن تختفي الحاجة إلى المهندس، بل سيتغير تعريف المهندس المتميز"، مضيفا "القيمة الاقتصادية الأكبر لا تكمن فقط في خفض أتعاب أو ساعات التصميم، بل في تحسين المساحات ودراسة البدائل وتقليل التعديلات والهدر لاحقا".

Fri, 18 2026

يشير التميمي إلى أن القيمة الحقيقية تظهر عندما نستخدم التقنية لاتخاذ قرار تصميمي أفضل مبكرا؛ في اختيار المواد، وكفاءة الطاقة، وتحسين المساحات، ودراسة البدائل، وتقليل التعديلات والهدر لاحقا.

وفي المشاريع الكبرى، نوه بأن القرار الذي يجري توفيره في مرحلة التصميم، قد يوفر أضعاف تكلفته أثناء التنفيذ والتشغيل، واستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلص أجزاء كبيرة من المدة، خصوصا في البحث، وتحليل البيانات، وتوليد البدائل، والمقارنة بينها.

أضاف، "لذلك أرى أن القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي في المشاريع ليست فقط أن نصمم أسرع، بل أن نتخذ قرارات أفضل قبل أن تصبح الأخطاء مكلفة".

التقنية تسهم في تغيير طريقة تسعير الخدمات الهندسية

فيما يتعلق بالمنافسة، قال "سنرى مكاتب أكثر رشاقة من حيث عدد الكوادر، لكنها أعلى إنتاجية وقدرة على إدارة مشاريع أكبر وأكثر تعقيدا، كما أعتقد أن المنافسة لن تكون مستقبلا حول من لديه عدد مهندسين أكبر بل حول من لديه معرفة أعمق، وبيانات أفضل، وخبرات متراكمة".

أضاف، أن "القدرة على تحويل التقنية إلى قرار هندسي وتجاري أفضل، ستغير حتى طريقة تسعير الخدمات الهندسية، وستنقل تدريجيا من بيع ساعات المهندسين إلى بيع القيمة والخبرة والنتيجة".

وختم المهندس التميمي بقوله "الذكاء الاصطناعي كالمطرقة؛ في يد الخبير أداة دقيقة للبناء، وفي يد غير الخبير قد تصبح مجرد أداة تضرب كل ما حولها، لذلك، التقنية وحدها لن تصنع مكتبا هندسيا ناجحا، بل الخبرة والرؤية والحكم الهندسي هي التي تحدد أين نستخدم الأداة، وكيف نستخدمها".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية