يحتدم الجدل حول ما إذا كانت التقييمات المرتفعة الحالية في وول ستريت تضاهي حالة المبالغة التي ميزت فقاعة "الدوت كوم" (شركات الإنترنت) في الفترة ما بين عامي 1999 و2000. ورغم أن المتشائمين (الدببة) قد يتصدرون عناوين الأخبار، فإن المتفائلين (الثيران) يمتلكون بيانات تدعم موقفهم بشكل أقوى.
ليس من المستغرب أن تظل ذكريات فقاعة "الدوت كوم" حاضرة بقوة في أذهان كثير من المستثمرين؛ فعندما انفجرت تلك الفقاعة في أغسطس 2000، هوى مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) بنسبة نحو 30% خلال عام واحد، وسجلت العديد من أسهم التكنولوجيا -التي كانت تحلق عالياً- خسائر تجاوزت 90% في نهاية المطاف. وقد استغرق المؤشر 6 سنوات ونصف السنة ليستعيد مستويات الذروة التي بلغها إبان حقبة "الدوت كوم".
وبالانتقال إلى الوقت الراهن، يرى عدد من المراقبين -الذين لا يمكن تجاهل آرائهم- أن موجة صعود الأسهم الحالية، المدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي، تشبه إلى حد كبير حالة الهوس التي صاحبت فقاعة "الدوت كوم".
ومن بين هؤلاء: جيريمي جرانثام، الشريك المؤسس لشركة إدارة الأصول "GMO"، الذي اشتهر بتوقعه الدقيق لذروة طفرة التكنولوجيا في التسعينيات؛ ومايكل بوري، المعروف بمراهنته ضد الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري قبل انهيارها في عامي 2008 و2009؛ والملياردير ومدير صناديق التحوط بول تيودور جونز، الذي صرح بأن السوق قد تكون مقبلة على موجة بيع "هائلة ومفاجئة" والقائمة تطول.
وفي المقابل، نجد شخصيات مرموقة تتبنى وجهة نظر مغايرة، مثل هوارد ماركس، الشريك المؤسس لشركة "أوكتري كابيتال"؛ والاقتصادي والمؤلف جيريمي سيجل؛ وإد يارديني، رئيس الأبحاث الاقتصادية الشهير. والجدير بالذكر أن أياً منهم لا يُصنف ضمن فئة "المتفائلين الدائمين".
إن حقيقة وجود خلاف في الرأي بين شخصيات بهذا الثقل تُظهر تعقيد القضايا المرتبطة بهذا الجدل؛ بما في ذلك السؤال الذي لا تزال إجابته غامضة حول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة لشركات التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي ستحقق في النهاية عوائد مرضية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي التي تصدرت عناوين الأخبار خلال الأسبوع الماضي.
ومع ذلك، ثمة أمر واحد واضح: إن مجرد مقارنة مؤشرات التسعير الحالية بتلك التي سادت في مطلع القرن الحالي لا تكفي لحسم هذه المسألة. يبلغ مضاعف السعر إلى الأرباح (P/E) الآجل الحالي لمؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) مستوى 20.3.
ورغم أن هذا الرقم يتجاوز بوضوح المتوسط المسجل منذ 1990 والبالغ 16.8، فإنه يظل دون المتوسط الذي ساد خلال حقبة شركات الإنترنت (الدوت كوم)؛ كما أن مضاعف السعر إلى الأرباح لقطاع تكنولوجيا المعلومات -البالغ 22.5- يمثل أقل من نصف ذروته التي بلغت 54.8 في أوائل 2000.
علاوة على ذلك، يُعزى ارتفاع مضاعف السعر إلى الأرباح للمؤشر حالياً، جزئياً، إلى التركز المرتفع تاريخياً لقطاع تكنولوجيا المعلومات ضمن المؤشر؛ إذ بلغت حصة هذا القطاع في مؤشر "إس آند بي 500" نسبة 38% في الربع الثاني، وهو ما يعادل أكثر من ضعف متوسطه التاريخي البالغ نحو 18%.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من حقيقة أن مضاعف التقييم لقطاع التكنولوجيا كان أعلى من مضاعف المؤشر ككل في 73% من الأرباع السنوية منذ بداية عام 1990؛ وبالتالي، فإن زيادة التركز في قطاع التكنولوجيا تؤدي منطقياً إلى ارتفاع مضاعف السعر إلى الأرباح للمؤشر.
وللتوضيح، لو كان وزن قطاع التكنولوجيا في الربع الماضي مساوياً لمتوسطه التاريخي منذ عام 1990، لكان مضاعف السعر إلى الأرباح لمؤشر "إس آند بي 500" سيبلغ 19.6، أي أقل بمقدار 0.7 نقطة عن مستواه الفعلي.
وفي النهاية، يكمن الفارق الأكبر بين تلك الحقبة والوقت الراهن في الأرباح؛ ففي مطلع 2000، حظيت شركات بارزة في قطاع الإنترنت بتقييمات سوقية ضخمة رغم أنها لم تحقق أي أرباح تذكر.
على سبيل المثال، سجلت شركتا "أكاماي تكنولوجيز" و"أمازون-اللتان تجاوزت تقييماتهما متوسط تقييم شركات المؤشر البالغ 25 مليار دولار- خسائر صافية في عام 1999 بلغت نحو 59.8 مليون دولار و720 مليون دولار على التوالي.
وفي المقابل، تحقق شركات الحوسبة السحابية العملاقة (hyperscalers) اليوم أرباحاً قوية ومستقرة، حيث تراوح صافي أرباحها لعام 2025 بين 450 مليون دولار و4.1 مليار دولار. كما سجلت شركة "إنفيديا" -التي تعد لاعباً رئيسياً آخر ينفق مبالغ ضخمة في سباق الذكاء الاصطناعي- أرباحاً بقيمة 72.9 مليار دولار في العام الماضي.
وبناءً على هذه الأرقام وحدها، لا تبدو تقييمات شركات التكنولوجيا الحالية -المدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي- قابلة للمقارنة بتلك التي سادت في تلك الحقبة السابقة. بالطبع، هذا لا يعني بالضرورة أن المتفائلين بالسوق (المراهنين على صعود الأسعار) سيكونون محقين في النهاية.
بدايةً، قد تمثل معدلات نمو الأرباح المرتفعة للغاية التي حققتها شركات التكنولوجيا في الأرباع الأخيرة نوعاً مختلفاً من الفقاعات؛ إذ قد يتباطأ نمو ربحية السهم (EPS) مع بدء تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض وتكاليف الإهلاك الناتجة عن التوسع الهائل في بناء مراكز البيانات.
كما قد تتضرر شركات تصنيع الرقائق إذا تحول الحديث عن "الذكاء الاصطناعي البطيء" إلى واقع ملموس يتجاوز مجرد التكهنات. وعلاوة على ذلك، قد يوجه الاحتياطي الفيدرالي ضربة قوية لسوق الأسهم بشكل عام إذا اضطر لرفع أسعار الفائدة بمعدلات ملموسة لكبح جماح التضخم.
وفي المحصلة، ورغم ظهور بعض مؤشرات "التضخم المفرط في الأسعار" (أو ما يُعرف بـ "الرغوة" في السوق)، إلا أن عديدا من التقييمات الحالية تبدو معقولة إلى حد ما؛ فعلى عكس حقبة "الدوت كوم"، لم تتخلَّ الأسعار اليوم تماماً عن المنطق والعقلانية.
قصة "الراعي الكاذب" (من يصرخ بوجود فقاعة دون مبرر)
ينبغي على المستثمرين أيضاً أن يضعوا في اعتبارهم أن التاريخ لا يزخر فقط بأمثلة لمحللين تنبأوا بدقة بقمم السوق، بل يضم أيضاً حالات لمعلقين بارزين أطلقوا تحذيرات خاطئة - أو سابقة لأوانها للغاية.
وبالمثل، فإن الخبير الاقتصادي نورييل روبيني sov من التعافي الذي شهدته الأسواق في مارس 2009 بعد بلوغها أدنى مستوياتها إبان الأزمة المالية العالمية، واصفاً إياه بأنه مجرد "ارتداد القط الميت" (أي انتعاش مؤقت وزائف). غير أن مستوى مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) المسجل في ذلك الشهر تبين أنه كان القاع الأدنى للسنوات العشر التالية؛ إذ أنهى المؤشر ر مارس 2019 محققاً ارتفاعاً تجاوز 225%.
إن الغرض من استعراض هذه التوقعات الخاطئة ليس الحط من قدر أصحابها، بل تسليط الضوء على التحدي الهائل المتمثل في التنبؤ بدقة باتجاه الأسواق وتوقيت تحركاتها؛ وهي حقيقة يتفق عليها الجميع.
كاتب في وكالة رويترز وعضو مجلس إدارة معهد المحللين الماليين المعتمدين ومستشار لمجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي سابقا
