يحكي المحلل المتخصص في الجغرافيا الاقتصادية لمؤسسة "سيمافور" الإخبارية العالمية كيف كانت مراكز التسوق تعجّ بالمتبضّعين وظل عالقا في زحام ساعة الذروة في العاصمة السعودية المترامية الأطراف، وكأن لا خطب جللا حدث في محيطها، الذي اعتبره الجميع في هذا الوقت البؤرة الأكثر اشتعالا في العالم.
"لا تبدو كمدينة تستعد لأزمة".. بهذه الكلمات وصف الكاتب علاء صالحة انطباعه عن مدينة الرياض، التي زارها لمدة أسبوع في الآونة الأخيرة.
يقول: "كان من السهل نسيان أن الخليج يعيش وسط صراع قلبَ الاقتصاد العالمي وآفاق المنطقة رأسًا على عقب. مراكز التسوق كانت مزدحمة نسبيا. في أحد المطاعم، جلست عائلة غربية على الطاولة المجاورة، وفي مطعم آخر، جلست مجموعة من الرجال من قطر. تشير البيانات الرسمية إلى أن الإنفاق الاستهلاكي ظلّ مستقرًا، وأن التضخم لم يشهد أي تغيير يُذكر. أخبرني مصرفيون أن تدفقات الأموال إلى الخارج لم تكن غير معتادة".
مزيد من التفاؤل بشأن السعودية
على الرغم من احتمالات أن تسوء الأمور في المنطقة جراء
الحرب الإيرانية، بدا صالحة أكثر تفاؤلا مما توقع هو نفسه بشأن كيفية تعامل السعودية مع هذه الحرب. ويرى أن هذا الصمود يعود إلى أكثر من عامل، وإن كانت بعض العوامل أهم من غيرها.
يؤكد الكاتب أنه: "بعد عقد من رؤية 2030، أصبح الاقتصاد السعودي أكثر تنوعا من ذي قبل، لكن النفط لا يزال ركيزته الأساسية. ولهذا فإن قدرة المملكة على تحويل معظم صادراتها من الخام بعيداً عن مضيق هرمز عبر خط الأنابيب الشرقي والغربي شكّلت حاجزاً مهماً، ليس فقط لاقتصادها، بل للأسواق العالمية أيضا".
يضيف: "سارعت السلطات إلى تعزيز طرق الإمداد البديلة عبر موانئ البحر الأحمر، ما ساعد على ضمان استمرار تدفق البضائع إلى المملكة وعبر أجزاء من الخليج".
في رأيه، فإن هذا يفسر سبب أن التخفيضات في توقعات نمو السعودية أقل حدة مقارنة بمعظم اقتصادات الخليج، مشيرا إلى أنه "رغم القيود المفروضة على الصادرات، فإن ارتفاع أسعار النفط يصبّ أيضًا في مصلحة الرياض، إذ يتوقع البنك الدولي أن يتقلص عجز الميزانية السعودية بشكل كبير إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام".
على الرغم من خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصاد السعودية في 2026 بسبب الحرب وانخفاض إنتاج النفط، فإنها تبقى بين أعلى دول العشرين نموا هذا العام، مع نجاحها في إيجاد طرق تصدير بديلة لمواصلة إمداداتها للأسواق العالمية>
متانة في مواجهة الضغوط
يقول صالحة: "ثمّة مؤشرات على وجود ضغوط. فقد تحوّل قادة الأعمال إلى وضع الترقب والانتظار"، مشيرا إلى أن طول فترة استمرار حالة عدم اليقين على شدة الحرب ومدتها.
لكنه يتوقع أن التوصل إلى حل وشيك سيضع المملكة العربية السعودية في موقعٍ يمكّنها من التعافي بوتيرة أسرع من غيرها، "إذ تمتلك الحكومة حيزا ماليا كافياً لدعم الأنشطة غير النفطية عند الحاجة".
ويشير إلى أن التعامل مع هذه المخاوف تطلّب تحقيق توازن دقيق بين تأكيد الأولويات ووضع معايير عالية للتدخل المباشر، وهذا ما يفسر في رأيه "مقاومة الرياض لدعوات الرد على الهجمات الإيرانية، وتركيزها بدلاً من ذلك على استخدام علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وباكستان - الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران - للتأثير على أي نتيجة تفاوضية. كما فعّلت اتفاقية الدفاع لـ 2025 مع باكستان، القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي".
نيوم مثالا للتوجه السعودي
تحدث الكاتب إلى أشخاص في الرياض، ويذكر أنه خلص إلى أنهم يتوقعون أن تصبح المملكة أكثر انتقائية في إنفاقها، مع الموازنة بين الطموحات الوطنية والقيود المالية.
تشمل الأولويات القصوى، بحسب قوله، الذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، ومعرض إكسبو 2030، وكأس العالم لكرة القدم للرجال 2034.
ويقول: "قد تجلى هذا المنطق بوضوح في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة الجديدة للفترة 2026-2030. تمثل الخطة تحولاً من "النمو السريع إلى خلق قيمة مستدامة". وتُعد نيوم مثالاً على ذلك. فبينما لا تزال عنصرا أساسيا في رؤية 2030، يجري إعادة هيكلة المشروع للتركيز على مكونات أكثر جدوى تجارياً".
يستند صالحة إلى حديث لياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، قال فيه إن نيوم ستركز على مشاريع مثل مدينة "أوكساجون" الصناعية، التي تضم ميناء عاملا، على حساب مشروع ذا لاين، الذي كان المشروع الرئيسي سابقاً.
يشير كذلك إلى أن الإستراتيجية تظهر توجها واضحا نحو تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة رؤوس الأموال الخاصة.