مع اقتراب اختيار الفيلم الذي سيمثل السعودية في الدورة 99 من جوائز الأوسكار، والمقرر إقامة حفلها في 14 مارس 2027، تبدو المنافسة هذه المرة محصورة في عدد محدود من الأفلام الروائية التي استوفت أو قد تستوفي شروط العرض والتأهل. ولن يكون الاختيار مجرد مفاضلة بين أعمال حققت حضورًا جماهيريًا، إذ يتعين على الفيلم السعودي المرشح أن يجمع بين الأهلية النظامية، والهوية المحلية، والقوة الفنية، والقدرة على مخاطبة لجان الأوسكار خارج سياقه المحلي.
شروط الأهلية تحسم المرحلة الأولى
ففئة «أفضل فيلم دولي» في الأوسكار مخصصة للأفلام الروائية الطويلة المنتجة خارج الولايات المتحدة، ويسمح للدول بتقديم فيلم واحد رسميًا. وتضع أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة شروطًا دقيقة للأهلية، من بينها أن يكون الفيلم قد حصل على عرض سينمائي مؤهل، وأن يبدأ عرضه ضمن الفترة المحددة للدورة، وألا يكون قد حصل على توزيع غير سينمائي سابق يؤثر في أهليته. كما تشترط القواعد أن تكون أغلبية حوارات الفيلم بلغة غير الإنجليزية.
وفي الحالة السعودية، تبدو الشروط المحلية أكثر تحديدًا؛ إذ أعلنت «هيئة الأفلام» إطارًا لاختيار الفيلم الذي يمثل السعودية، مع اشتراط أن يكون العمل روائيًا طويلًا، وأن تتجاوز مدته 40 دقيقة، وأن تشكل الحوارات غير الإنجليزية أكثر من نصف الحوار، إلى جانب اشتراط العرض التجاري في دور السينما السعودية لمدة لا تقل عن 7 أيام متتالية، وفق الضوابط المعلنة.
«مسألة حياة أو موت».. حضور مهرجاني وجماهيري
أولًا، يبرز فيلم «مسألة حياة أو موت» كأحد أبرز الأعمال المطروحة في سباق الاختيار، مستفيدًا من رصيد مهرجاني وجماهيري يعزز حظوظه. فقد شهد «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» عرضه العالمي الأول، قبل أن يحصد في الدورة 12 من «مهرجان أفلام السعودية» تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم، فيما نالت بطلته سارة طيبة جائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل عن أدائها في الفيلم.
وعلى الصعيد التجاري، تجاوزت إيرادات الفيلم 1.7 مليون ريال في شباك التذاكر السعودي، ليجمع بذلك بين الحضور لدى الجمهور والإشادة في المحافل السينمائية المحلية.
«7 Dogs».. طموح إنتاجي يتجاوز السوق المحلية
ثانيًا، يختلف «7 Dogs» عن بقية الأفلام المطروحة من حيث حجمه وطموحه الإنتاجي. فمنذ مراحل تطويره الأولى، اتجه الفيلم إلى بناء تجربة سينمائية تتجاوز السوق المحلية، سواء على مستوى فريق العمل أو نطاق الإنتاج، كما نجح في تسجيل حضور تجاري لافت، ليصبح أحد أبرز الإنتاجات السعودية خلال العام الجاري.

MV5BMTY3ZmEyNDMtMTcwOS00MTNhLTg1ZGUtMGQ4ZjA4Mzc4M2Y3XkEyXkFqcGc@._V1_
غير أن إدراجه ضمن الأعمال المحتملة لتمثيل المملكة في سباق الأوسكار يطرح اعتبارات مختلفة عن النجاح الجماهيري. فالمنافسة في فئة أفضل فيلم دولي لا تتطلب أن يكون جميع صناع الفيلم أو ممثليه من جنسية الدولة المقدِّمة، كما تسمح القواعد للأفلام ذات الإنتاج المشترك بالمشاركة، لكنها في المقابل تضع ضوابط تتصل بطبيعة الإنتاج والجهة التي تتمتع بالسيطرة الإبداعية والإنتاجية على العمل.
«عكس سير».. قوة شباك التذاكر تحت الاختبار
ثالثًا، يأتي فيلم «عكس سير» من إخراج عبدالعزيز الشلاحي وتأليف مفرج المجفل، والذي افتتح عروضه باحتلال المركز الرابع محققًا إيرادات تجاوزت 3.5 مليون ريال، ثم تقدم إلى المركز الثالث في أسبوعه الثاني بعدما سجل نحو 5.3 مليون ريال، وفق بيانات شباك التذاكر المنشورة.
ويمنح هذا الأداء التجاري الفيلم حضورًا لافتًا في سباق الأعمال السعودية، إلا أن فرصه في تمثيل السعودية دوليًا لن تتحدد بحجم الإيرادات وحده، وإنما بقدرته على تحويل خلطة الأكشن والكوميديا والجريمة إلى تجربة سينمائية ذات هوية واضحة وقيمة فنية قادرة على مخاطبة جمهور خارج السوق المحلية.
«هجير».. التاريخ والموسيقى في قلب الحكاية
رابعًا، يقدم «هجير» مقاربة مختلفة، مستندًا إلى التاريخ والموسيقى وملامح جدة القديمة لبناء عالمه الدرامي. إذ تدور أحداثه في جدة خلال ستينيات القرن الماضي، متتبعًا رحلة طفل ينشأ في عائلة موسيقية قبل أن يفقد سمعه، فيتحول شغفه بالموسيقى إلى تحدٍ جديد يدفعه إلى البحث عن طريق لاستعادة صلته بها من خلال التأليف.

Screenshot 2026-08-25 114958
ومن خلال هذه الرحلة، يطرح الفيلم موضوعات الطموح والإعاقة وتجاوز القيود، فيما تمنحه البيئة التاريخية والاجتماعية المحلية خصوصية بصرية وثقافية يمكن أن تتجاوز حدود القصة نفسها، إذ يوظف المكان والحقبة والتفاصيل اليومية في تقديم صورة عن المجتمع السعودي بلغة سينمائية قابلة للفهم والتفاعل على المستوى الدولي.
«ربشة».. دراما اجتماعية برؤية محلية
خامسًا، يتمتع «ربشة» بعدد من المقومات التي تضعه ضمن الأفلام الجديرة بالمنافسة على تمثيل السعودية في أوسكار 2027، إذ حظي بحضور في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة ضمن الدورة الأخيرة من «مهرجان أفلام السعودية».
كما يستند الفيلم إلى حبكة درامية تقوم على العلاقات الإنسانية وتفاصيل الحياة اليومية، بما يمنحه مساحة لطرح قضايا اجتماعية من منظور محلي.
8 أفلام سعودية.. حضور متزايد دون قائمة قصيرة
تكتسب منافسة الأوسكار أهمية إضافية في ظل سجل السعودية المتنامي في الفئة الدولية، كما سبق للمملكة تقديم 8 أفلام، من «وجدة» و«بركة يقابل بركة» إلى «المرشحة المثالية» و«سيدة البحر» و«حد الطار» و«أغنية الغراب» و«الهامور ح.ع»، وصولًا إلى «هجرة» العام الماضي، من دون أن ينجح أي منها في بلوغ القائمة القصيرة أو الترشيحات النهائية.
نمو الصناعة يوسع خيارات السعودية
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الصناعة السينمائية السعودية توسعًا في الإنتاج والبنية التحتية والمهرجانات وبرامج الدعم؛ إذ تجاوز الإنفاق على المشاريع المستفيدة من الحوافز والمنح مليار ريال بين 2020 و2024، فيما ارتفعت إيرادات الأفلام السعودية من 56.8 مليون ريال في 2024 إلى 120.4 مليون ريال في 2025.
الإيرادات وحدها لا تحسم سباق الأوسكار
لذلك، لا تختزل المنافسة الحالية في 5 أفلام، وإنما تعكس اتجاهات متعددة للسينما السعودية: من الدراما الإنسانية في «مسألة حياة أو موت»، والتوتر النفسي في «ربشة»، والهوية التاريخية والموسيقية في «هجير»، إلى السينما التجارية في «عكس سير» والطموح الدولي في «7 Dogs».
وفي النهاية، لن تحسم الإيرادات أو الجماهيرية وحدها هوية الفيلم المختار، إذ يتعين عليه أولًا استيفاء شروط الأهلية، ثم إقناع لجنة الاختيار، قبل خوض سباق دولي يضم أفلامًا من عشرات الدول. كما ستغلق الأكاديمية باب التقديم في 30 سبتمبر 2026، على أن تعلن القائمة القصيرة في 15 ديسمبر، والترشيحات النهائية في 21 يناير 2027، قبل إقامة حفل الأوسكار في مارس من العام نفسه.





