برزت سوق الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، كإحدى الأسواق التي صمدت على نحو غير متوقع مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط بفعل الحرب في إيران.
تراجعت الأسهم الصينية بوتيرة أقل مقارنة بنظيراتها العالمية منذ اندلاع الصراع، فيما حافظ اليوان على استقراره أمام الدولار، ولم تتحرك عوائد السندات الحكومية إلا بشكل طفيف. يجسد هذا المزيج مرونة مفاجئة خلال أزمة بدت للوهلة الأولى كفيلة بإلحاق الضرر بالبلاد.
سعت بكين على مدى عقود إلى تحصين اقتصادها ضد هذا النوع من الصدمات تحديداً. ضخت استثمارات ضخمة في مصادر الطاقة المتجددة، ورسخت هيمنة واسعة عبر سلاسل توريد الطاقة النظيفة، كما سرّعت تبني المركبات الكهربائية بوتيرة لافتة. أسفر ذلك عن اقتصاد لا يزال يعتمد على واردات الوقود الأحفوري، لكنه أقل اعتماداً عليها مقارنة بالماضي، ما وفر قدراً من الحماية مع قفزة أسعار النفط بما يصل إلى 65% منذ اندلاع الصراع.
قال كاري يونغ، رئيس ديون الصين الكبرى في شركة "بيكتيه لإدارة الأصول" (Pictet Asset Management): "فئات الأصول الصينية تُعد من الملاذات الآمنة التي يغفلها المستثمرون العالميون".
تقلبات أسعار النفط والأسهم
شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير. هبطت الأسهم مع صعود أسعار النفط الخام، التي اقتربت لفترة وجيزة من 120 دولاراً للبرميل، ما أثار مخاوف من تغذية التضخم وتأجيل مسار التيسير النقدي لدى البنوك المركزية، قبل أن تعاود الارتفاع مع إشارات من واشنطن توحي بإمكان انتهاء القتال.
تلقت الأسهم الآسيوية الضربة الأشد وطأة؛ نظراً لاعتماد المنطقة بشكل كبير على واردات الطاقة. تراجعت أسواق اليابان وكوريا والهند بنحو 6% و9% و4% على التوالي منذ أواخر فبراير. فقدت الأسواق الأوروبية نحو 5%، بينما انخفضت الأسهم الأميركية بنسبة 1.4%.
في المقابل، لم يتحرك مؤشر "CSI 300" الصيني إلا بشكل طفيف، متراجعاً 0.3% فقط. يعني ذلك أن المستثمر الذي أبقى أمواله في الأسهم الصينية بدلاً من تحويلها من آسيا إلى الولايات المتحدة كان سيحافظ على قدر أكبر من رأس المال مقارنة بمعظم الأسواق الكبرى.
ترسم أسواق العملات والسندات صورة مشابهة. تفوق أداء اليوان على معظم نظرائه الآسيويين، وظل مستقراً إلى حد كبير أمام الدولار، رغم صعود العملة الأميركية بدعم الطلب على الملاذات الآمنة. بلغ مؤشر "CFETS RMB" الذي تغلب عليه أسهم التجارة أعلى مستوى له في عام الأسبوع الماضي. ارتفع عائد السندات الحكومية الصينية لأجل عشر سنوات بنحو نقطة أساس واحدة فقط، وهو ارتفاع أقل بكثير من القفزة التي تجاوزت 20 نقطة أساس في سندات الخزانة الأميركية ونظيرتها الفرنسية.
تفوق نسبي لأصول الصين
قد يعزز اجتماع مرتقب بين الرئيس الأميكيي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق من الشهر الجاري هذا الانطباع بالاستقرار. قال تريفور سلافن، الرئيس العالمي لتوزيع الأصول والاستثمارات متعددة الأصول في شركة "بارينغز" (Barings)، إن الاعتقاد بأن اجتماعاً مثمراً قد يشكل دعامة إيجابية "ليس أمراً غير منطقي".
مع ذلك، لا يرى كثير من المستثمرين أن الصدمة الجيوسياسية وحدها سبب كافٍ للتحول على نطاق واسع نحو الأصول الصينية.
قال كلارنس لي، كبير محللي المحافظ للاستراتيجيات متعددة الأصول والأسهم في شركة "تي. رو برايس" (T. Rowe Price): "قد تواصل الأصول الصينية تسجيل أداء متفوق نسبياً على المدى القريب، لكننا ننظر إلى ذلك باعتباره تحركاً تكتيكياً لا تحولاً هيكلياً".
أضاف أن آفاق السوق لا تزال تعتمد في نهاية المطاف على أداء الاقتصاد المحلي وتنفيذ السياسات. قال: "الرؤية تجاه الصين تدور بالتالي حول التعرض الانتقائي للموضوعات الاستثمارية، وليس رهاناً واسع النطاق على الأسهم أو السندات أو العملات".
يركز المستثمرون الذين يتابعون السوق الصينية على القطاعات المرتبطة بأمن الطاقة والطلب المحلي. ارتفع مؤشر الطاقة ضمن "CSI 300" بنحو 8% منذ أواخر فبراير، ليصبح الأفضل أداء بين المؤشرات الفرعية. سجل قطاع الطاقة المتجددة، الذي تهيمن عليه الصين، مكاسب ملحوظة، إذ ارتفع سهم شركة "جينكو سولار" (Jinko Solar Co) بنحو 13% في شنجهاي.
لا تزال الظروف العامة تميل إلى تقليص المخاطر. أي تحول دفاعي نحو الأصول الصينية سيأتي على الأرجح بعد انحسار التقلبات، وربما يتجه إلى الأسهم أكثر من السندات الحكومية، بحسب سلافن من شركة "بارينغز".
أمن الطاقة في الصين
تساعد استراتيجية الطاقة التي تتبعها بكين في تفسير صمود أسواقها على نحو أفضل من المتوقع.
أعطت الحكومة أولوية لضمان استقرار إمدادات الطاقة بعد سلسلة من حالات نقص الكهرباء في عامي 2021 و2022. قفز إنتاج الفحم إلى مستوى قياسي، بالتزامن مع موجة ضخمة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وبطاريات التخزين المصاحبة لهما، والتي باتت تغطي نمو الطلب على الكهرباء بأكثر من كفاية. كما رفعت الصين تدريجياً إنتاج النفط والغاز محلياً.
تواصل البلاد تقليص استخدام الوقود الأحفوري في قطاعات رئيسية. تفوقت مبيعات المركبات الكهربائية والهجينة الآن على السيارات التقليدية في الصين، ما يضع البنزين، الذي يمثل أكثر من خُمس استهلاك النفط في البلاد، على مسار تراجع طويل الأمد.
بنت بكين أيضاً احتياطيات وقائية كبيرة. تشير بيانات شركة "كبلر" (Kpler) إلى وجود عشرات الملايين من البراميل من الخام غير النظامي القادم من إيران وروسيا وفنزويلا على ناقلات راسية قرب سواحلها. ارتفعت احتياطيات الصين الاستراتيجية من النفط إلى نحو 1.4 مليار برميل، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستويات الولايات المتحدة، وهو ما يكفي لتغطية نحو ستة أشهر من فقدان واردات الشرق الأوسط في أسوأ السيناريوهات.
التضخم الاستهلاكي في الصين
قال لاري هو، رئيس اقتصادات الصين في شركة "ماكواري غروب" (Macquarie Group): "التأثير على المدى القصير محدود ويمكن امتصاصه". يقدّر هو أن وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل سيرفع التضخم الاستهلاكي في الصين إلى نحو 1% فقط.
يرى هو أن الخطر الأكبر يتمثل في أن تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى إضعاف النمو العالمي، وهو ما قد ينعكس سلباً على صادرات الصين، أحد المحركات الأساسية لاقتصادها.
لا تزال التحديات الداخلية كبيرة أيضاً. يواصل ضعف الطلب الاستهلاكي، واستمرار تراجع سوق العقارات، والتيسير الحذر للسياسات الضغط على معنويات المستثمرين. تحتفظ شركة "تي رو برايس" (T. Rowe Price)، على سبيل المثال، بموقف محايد تجاه الصين بشكل عام رغم الاستقرار النسبي في السوق.
أشار المسؤولون في بكين إلى قدر من التحفظ في إطلاق حزم تحفيز، مفضلين الاحتفاظ بأدوات السياسة المالية والنقدية تحسباً لصدمة نفطية أعمق أو تصاعد جديد في التوترات بين الولايات المتحدة والصين. حُدد هدف نمو الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام عند أدنى مستوى منذ عام 1991، كما جرى تقليص الدعم المالي، رغم توقع اقتصاديين زيادة الاقتراض والإنفاق إذا واجه الاقتصاد انتكاسة كبيرة.
قال ويليام براتون، رئيس أبحاث الأسهم النقدية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas SA)، في مذكرة يوم الاثنين، إن استمرار الصراع في إيران لفترة أطول من المتوقع قد يجعل مرونة الصين النسبية أكثر وضوحاً.
قال براتون: "نرى أن الصين أكثر جاذبية نسبياً مقارنة ببقية المنطقة نظراً لاعتماد اقتصادها بدرجة أكبر على الطلب المحلي، بما في ذلك في ما يتعلق بإمدادات الطاقة".


