بعد أن طرحت وزارة الرياضة خمسة أندية أمام المستثمرين ضمن برنامج خصخصة الأندية الرياضية في يونيو الماضي، بقي نادي الشباب خارج القائمة، رغم استمرار اهتمام المستثمرين فيه، بحسب الوزارة.
ولا يرتبط التريث في طرح النادي بغياب الطلب، إذ أوضحت وزارة الرياضة أن بعض العروض المقدمة ركزت بصورة أكبر على القيمة العقارية لموقع الشباب بدلا من تطوير المشروع الرياضي، ما وضع النادي أمام معادلة استثمارية تختلف عن معظم الأندية المستهدفة بالخصخصة.
فالشباب لا يملك فريقاً وعلامة تجارية وقاعدة جماهيرية فحسب، بل يشغل قطعة أرض كبيرة في أحد المواقع الحيوية في الرياض، لتتقاطع في تقييمه كرة القدم مع العقار والتطوير الحضري.
قيمة عقارية استثنائية
يقع نادي الشباب على طريق الملك فهد، أحد المحاور الرئيسية في العاصمة السعودية، على أرض تبلغ مساحتها 91,259 مترا مربعا، ضمن منطقة تستفيد من التوسع العمراني والاستثماري المتسارع في الرياض.
يجاور الموقع نطاقاً يضم مشاريع كبرى وأبراجا شاهقة، من بينها مركز الملك عبدالله المالي ومشروع الأفنيوز الرياض، ما يمنحه ميزة يصعب تكرارها في المواقع الحيوية داخل العاصمة.
تصف نوف إبراهيم بن سعيدان، عضو مجلس إدارة شركة آل سعيدان للعقارات، أرض الشباب بأنها من “الأصول العقارية الاستثنائية” في الرياض، بالنظر إلى موقعها ومساحتها، لكنها ترى أن تحديد قيمتها السوقية يتطلب تقييماً عقارياً معتمداً.
ولا يعتمد التقييم على الموقع والمساحة فقط، وفق بن سعيدان، بل يتأثر أيضاً بالأنظمة والاشتراطات التنظيمية والاستخدامات المسموح بها وطبيعة الملكية، إلى جانب الالتزامات الناتجة عن وجود منشأة رياضية قائمة على الأرض.
لماذا يهتم العقاريون ؟
الموقع والعائد المتوقع يمثلان نقطة البداية بالنسبة للمستثمر العقاري، وفق حمدان المطيري، مدير شركة مؤشرات للتقييم العقاري، الذي يصف موقع الشباب بأنه “أيقونة عقارية نادرة”، لوقوعه على شريط تجاري يتمتع بمعاملات بناء مرتفعة وقربه من مشاريع نوعية عززت جاذبية المنطقة.
وتضيف مساحة الأرض إلى هذه الجاذبية، إذ يمنح أصل يتجاوز 91 ألف متر مربع في موقع مماثل مرونة لتطوير أنشطة متعددة ومصادر دخل تتجاوز الإيرادات الرياضية.
ويرى المطيري أن قيمة أرض النادي قد تتجاوز القيمة السوقية لبعض الأندية الرياضية الكبرى، وهو ما يفسر، من وجهة نظره، اهتمام المستثمرين العقاريين بالفرصة.
لكن بن سعيدان تحذر من اختزال قيمة الشباب في أرضه، إذ تشمل قيمة النادي أيضاً العلامة التجارية والقاعدة الجماهيرية والحقوق التجارية والعقود والأكاديميات والإيرادات المستقبلية، ما يجعل تحديد الوزن الفعلي للعقار في التقييم الإجمالي مرهوناً بالتقييم الرسمي للأصول.
مشروع متعدد الاستخدامات
موقع الشباب يفتح الباب أمام نموذج استثماري أوسع من اقتصاديات نادي كرة قدم تقليدي.
وترى بن سعيدان أن مشروعاً متعدد الاستخدامات يمكن أن يكون من أكثر النماذج قدرة على تعظيم الاستفادة من الموقع، إذا سمحت الأنظمة وشروط الخصخصة بذلك، عبر الجمع بين المنشآت الرياضية والمكاتب والفنادق والوحدات السكنية والمساحات التجارية والترفيهية.
مثل هذا النموذج يتيح تنويع التدفقات النقدية والاستفادة من الموقع على مدار اليوم، بدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على الإيرادات الرياضية.
لكن القيمة التي يمكن استخراجها من الأرض تعتمد في النهاية على طبيعة ملكيتها، وما إذا كانت تدخل ضمن صفقة الخصخصة، وحقوق التطوير والاستخدامات والكثافات التي تسمح بها الأنظمة، ما يجعل تحديد الحقوق المرتبطة بالأصل جزءاً أساسياً من تسعير الصفقة.
لماذا تؤجل خصخصة النادي؟
ارتفاع قيمة الأصل قد يكون سبباً للتريث في البيع وليس للإسراع فيه، بحسب الدكتور طلال المغربي، خبير الاقتصاد والتسويق الرياضي.
ويرى المغربي أن امتلاك النادي عقاراً مرتفع القيمة يحول قرار الاستثمار إلى مسألة متعددة الأبعاد، إذ لا تنظر الدولة فقط إلى قدرة المستثمر على إدارة فريق كرة القدم، وإنما أيضاً إلى قدرته على إدارة الأصول وتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة منها مع المحافظة على الدور الرياضي والاجتماعي للنادي.
وبذلك، قد لا يكون المستثمر الأنسب هو صاحب الخبرة الرياضية الأكبر فقط، بل من يستطيع الجمع بين الرياضة والعقار والتطوير الحضري والفرص التجارية طويلة الأجل.
ويقول المغربي إن تأجيل بيع أصل يحظى بطلب استثماري يمكن أن يكون قراراً اقتصادياً منطقياً إذا كانت هناك عوامل قد ترفع قيمته مستقبلاً، أو إذا أتاح التأجيل تحسين وضوح المعلومات أمام المستثمرين.
وتؤيد بن سعيدان إدراج الأرض ضمن صفقة الخصخصة، لكن ضمن اشتراطات تحمي النشاط الرياضي، وتحدد الاستخدامات المسموح بها، وتربط الامتيازات الاستثمارية بالتزامات واضحة لتطوير النادي ومنشآته.
الإفصاح يرفع قيمة الأصل
المغربي، يرى بأن الشفافية في حالة الشباب ليست مطلباً إعلامياً فقط، وإنما أداة استثمارية تؤثر مباشرة في التقييم والتسعير.
فالمستثمر يحتاج إلى معرفة الوضع النظامي للأرض وطبيعة ملكيتها، وما إذا كانت تدخل ضمن الأصول المطروحة، وحقوق الانتفاع أو التطوير المتاحة، والاشتراطات التنظيمية، فضلاً عن المشاريع المستقبلية المعتمدة في المنطقة التي قد تؤثر على قيمة الموقع.
وضوح هذه العناصر يقلل الفجوة بين تقييمات المستثمرين ويرفع الثقة والمنافسة، بما يساعد الدولة على الوصول إلى تسعير أدق للأصل.
وبالنسبة للمؤسسات الاستثمارية طويلة الأجل، يقول المغربي إن السؤال لا يقتصر على “كم تساوي أرض نادي الشباب اليوم؟”، وإنما يمتد إلى القيمة التي يمكن أن يمثلها الموقع خلال 10 أو 20 عاماً في ضوء المشاريع والمخططات المعتمدة للمنطقة.
كيف يتم تقييم النادي؟
وجود أصل عقاري بهذه الأهمية يجعل تقييم الشباب أكثر تعقيداً من مجرد احتساب إيرادات فريق كرة القدم.
وبحسب المغربي، فإن تقييم الأندية التي تجمع بين النشاط الرياضي والعقار يتطلب تفكيك عناصر القيمة، بما يشمل العلامة التجارية والقاعدة الجماهيرية والحقوق التجارية والرعايات والإيرادات التشغيلية والمنشآت والأراضي وإمكانات التطوير المستقبلية.
وهنا يختلف تقييم شراء نادٍ رياضي فقط عن شراء نادٍ مع أصول عقارية، أو نادٍ تصاحبه حقوق تطوير مستقبلية، إذ يمكن لكل سيناريو أن ينتج قيمة مختلفة ويجذب نوعاً مختلفاً من رؤوس الأموال.
وفي حالة الشباب، قد يوسع ذلك دائرة المهتمين بالصفقة لتشمل، إلى جانب المستثمر الرياضي، مطورين عقاريين ومؤسسات استثمارية تبحث عن أصول طويلة الأجل في الرياض.
تجارب عالمية مماثلة
التداخل بين قيمة النادي وأصوله العقارية ليس جديداً في صناعة كرة القدم العالمية.
ويشير المغربي إلى تجربة مانشستر سيتي، حيث توسع الاستثمار إلى منظومة حول الاستاد تضم منشآت رياضية وتجارية وتعليمية وترفيهية ومشاريع تطوير عمراني، في نموذج يربط كرة القدم بالتطوير الحضري.
وفي حالة تشيلسي، كان موقع ملعب ستامفورد بريدج وملكية الأرض وإمكانات التطوير المستقبلية من العناصر المرتبطة بالنقاشات الاستثمارية حول النادي، وفق المغربي.
وتوضح التجربتان كيف يمكن للعقار أن يتحول من أصل تابع للنادي إلى عنصر رئيسي في تقييم الفرصة الاستثمارية، سواء من خلال تطوير المنطقة المحيطة أو عبر القيمة المستقبلية للأرض وحقوق تطويرها.
أكثر من صفقة رياضية
تكشف حالة الشباب أحد التحديات التي تواجه خصخصة الأندية عندما ترتبط بها أصول غير رياضية مرتفعة القيمة.
فالأرض التي تزيد جاذبية النادي أمام المستثمرين هي نفسها التي تجعل تقييمه واختيار المستثمر أكثر تعقيداً. ومن دون وضوح بشأن الملكية وحقوق التطوير والقيود التنظيمية، يصعب تحديد القيمة التي يستطيع المستثمر تحقيقها فعلياً من الموقع.
وفي المقابل، فإن منح حقوق تطوير واسعة من دون اشتراطات تحمي النشاط الرياضي قد يجعل الأرض الهدف الرئيسي للاستثمار على حساب النادي.
لذلك، تصبح صفقة الشباب اختباراً للقدرة على تحقيق هدفين في آن واحد: بناء نادٍ أكثر استدامة وتنافسية، وتعظيم القيمة الاقتصادية لأصل عقاري نادر في الرياض.
فقيمة الأرض هي ما يجعل الشباب جذاباً للمستثمرين، وهي في الوقت نفسه ما يجعل خصخصته أكثر تعقيداً من مجرد صفقة رياضية.



