الثلاثاء, 29 سبتمبر 2026|16 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تدخل الأندية السعودية مرحلة مالية جديدة، قد تجعل عقد الرعاية أكثر من مجرد مصدر للإيرادات، وتحوله إلى أصل يمكن الاقتراض بضمان تدفقاته المستقبلية.

فمع انتقال ملكية الأندية تدريجيًا إلى القطاع الخاص، تزداد الحاجة إلى بناء هياكل تمويل مستقلة، تعتمد على البنوك والائتمان الخاص والصكوك، بدلًا من الاتكال بصورة رئيسية على تمويل المساهمين.

ووفق تقرير حديث لشركة الاستشارات العالمية «ألفاريز آند مارسال» (A&M)، نشر اليوم، فإن المرحلة المقبلة ستنقل النقاش من حجم الأموال المتاحة للأندية إلى قدرتها على الحصول عليها بشروط تجارية مستدامة.

وأشار التقرير إلى أن أندية دوري المحترفين السعودي التزمت بأكثر من 1.5 مليار دولار في سوق الانتقالات منذ موجة التعاقدات الكبرى التي بدأت في 2023، بتمويل اعتمد بدرجة كبيرة على دعم المساهمين.

لكن انتقال الأندية نحو ملكية أكثر توجهًا تجاريًا يغير المعادلة.

فالنادي الذي كان يعتمد على مساهميه لتغطية احتياجاته النقدية سيحتاج تدريجيًا إلى إثبات قدرته على خدمة الدين وجذب رأس المال من أطراف خارجية.

رواتب ثابتة.. وإيرادات متقلبة

يضع التقرير عدم التوافق بين مواعيد المصروفات والإيرادات في قلب التحدي التمويلي للأندية.

فرواتب اللاعبين والعاملين تمثل التزامات تعاقدية ثابتة تمتد لأعوام، كما أن رسوم الانتقالات قد تفرض دفعات محددة سلفًا.

في المقابل، لا تتحرك الإيرادات بالإيقاع نفسه.

فعوائد بيع اللاعبين غير منتظمة، والجوائز مرتبطة بالنتائج، فيما تصل مبالغ الرعاية عادة على دفعات دورية كبيرة.

الأهلي 1

وبحسب التقرير، تجاوزت الأجور إيرادات بعض أندية الدوري السعودي في فترات سابقة، بينما تبلغ نسبة الأجور إلى الإيرادات في الدوري الإنجليزي الممتاز نحو 68%.

ويظهر اختلاف آخر في تركيبة الإيرادات.

ففي أعلى 20 ناديًا عالميًا من حيث الدخل، شكلت الإيرادات التجارية 43% من الإجمالي في موسم 2024/25، مقابل 38% للبث و19% لإيرادات أيام المباريات.

أما في السعودية، فيميل هيكل الإيرادات بدرجة أكبر نحو النشاط التجاري والرعاية، ما يحدد نوع الأصول التي يمكن للأندية الاعتماد عليها للحصول على التمويل.

اقرأ أيضا: هل يصبح تقييم الهلال السعودي بـ1.2 مليار ريال معيارا سعريا للأندية؟

الرعاية.. أبرز أصل تمويلي

يرى «ألفاريز آند مارسال» أن مستحقات الرعاية تمثل حاليًا أبرز أصل قابل للتمويل لدى الأندية السعودية.

فعديد من عقود الرعاية يمتد لسنوات، وتكون مستحقاتها على شركات كبيرة أو جهات مرتبطة بالحكومة وذات جودة ائتمانية مرتفعة.

وبذلك يستطيع النادي، من حيث المبدأ، الحصول على تمويل مقابل تدفقات مالية مستقبلية متعاقد عليها، بدلًا من انتظار وصول كل دفعة في موعدها.

وتعتمد قيمة هذا الأصل بالنسبة إلى الممول على مدة عقد الرعاية وجدول الدفعات وشروط الإنهاء وإمكانية تحويل المستحقات، إضافة إلى الجدارة الائتمانية للراعي.

الهلال 1

وقد تكون القوة الائتمانية للجهة الملزمة بسداد عقد الرعاية أعلى من القوة الائتمانية للنادي نفسه.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن الأندية السعودية لا تزال نادرًا ما تستخدم مستحقات الرعاية بهذه الطريقة.

وفي مؤشر على تركز السوق، استحوذت أكبر 3 أندية على 86.4% من إيرادات الرعاية والإعلان في الموسم المنتهي في يونيو 2022، وفق البيانات التي استند إليها التقرير.

وفي مؤشر أحدث، شكلت 7 صفقات نحو 86% من القيمة السنوية المقدرة لعقود الرعاية في موسم 2024/25.

ويعني ذلك أن قدرة الأندية على الاقتراض بضمان الرعاية لن تكون متساوية، بل ستعتمد على حجم العقود ومدتها وجودة الراعي وشروط الدفع.

اقرأ أيضا: 106 مليارات يورو إلى الرياضة.. لماذا تتسابق الصناديق على الأندية؟

80 مليون دولار للبث

تختلف المعادلة السعودية عن أوروبا بصورة أوضح في حقوق النقل التلفزيوني.

ففي أوروبا، تعد مستحقات حقوق البث من أبرز الأصول المستخدمة في تمويل الأندية، بسبب التدفقات المتعاقد عليها وقابلية توقعها.

أما إيرادات البث المحلية على مستوى الدوري السعودي، فقد بلغت نحو 80 مليون دولار في موسم 2024/25، وفق التقرير.

في المقابل، بلغ ما وزع على أندية الدوري الإنجليزي الممتاز من عوائد البث نحو 3.4 مليار جنيه إسترليني، ما يعكس الفارق في حجم الأصل المتاح للتمويل بين السوقين.

ويرى التقرير أن حجم إيرادات البث المحلية في السعودية لا يسمح لها حاليًا بأداء الدور التمويلي نفسه الذي تلعبه في أوروبا.

لكن ذلك قد يتغير مع نمو القيمة التجارية للمسابقة وتوسع حقوق البث الدولية.

وتعد إيرادات أيام المباريات مصدرًا آخر يمكن أن يدعم التمويل، خصوصًا عبر التذاكر الموسمية والضيافة والمقاعد المميزة.

وتزداد أهميتها مع تطوير الملاعب وقدرتها على توليد تدفقات نقدية منتظمة.

اللاعب.. أصل قابل للتسييل

ويمتد النموذج إلى سوق الانتقالات.

فالأندية تملك مستحقات مالية ناتجة عن بيع اللاعبين، وقد تكون موزعة على دفعات مستقبلية، ما يتيح تمويل هذه المستحقات بدل انتظار تحصيلها.

وفي المقابل، تبقى القيمة السوقية للاعب نفسه أكثر تقلبًا بسبب العمر والإصابة والأداء والطلب.

لذلك يهتم الممول بالمستحقات التعاقدية الناتجة عن صفقة مكتملة أكثر من اعتماده على القيمة المتوقعة للاعب.

ويرى التقرير فرصة أمام الأندية السعودية لتحويل تطوير اللاعبين وبيعهم تدريجيًا من إيراد استثنائي إلى نشاط أكثر انتظامًا، مع إمكانية تحول السعودية إلى مركز لاستقطاب المواهب وتطويرها.

اقرأ أيضا: الأندية الخاسرة رهان ميسي .. إيراداتها تلامس 11 مليون يورو

من البنوك إلى الصكوك

ولا يحصر التقرير الخيارات في القروض البنكية.

فالبنوك المحلية والإقليمية تمثل مصدرًا لتمويل رأس المال العامل والمستحقات المتعاقد عليها.

كما يوفر الائتمان الخاص قناة أكثر مرونة للأندية التي تحتاج إلى هياكل تمويل مختلفة، وإن كانت التكلفة ترتبط عادة بمستوى المخاطر.

ويضع التقرير الصكوك ضمن الأدوات القادرة على فتح مصادر إضافية لرأس المال، عبر الوصول إلى شركات التأمين وصناديق التقاعد والمكاتب العائلية.

وتقدم أوروبا نماذج لما يمكن أن تصبح عليه السوق.

فقد موّل «بانكا سيستيما» الإيطالي مستحقات حقوق بث وانتقالات بقيمة 1.2 مليار يورو، فيما حصل وست هام على تسهيل بـ145 مليون جنيه إسترليني بضمان إيرادات تلفزيونية مستقبلية.

كما أعاد إيفرتون تمويل ديون ملعبه عبر طرح خاص لسندات مضمونة بقيمة 350 مليون جنيه.

5 خطوات للتمويل

ويحدد «ألفاريز آند مارسال» 5 خطوات لبناء نادٍ أكثر قابلية للتمويل، تبدأ بفصل الإيرادات المتكررة، مثل الرعاية والتذاكر والتوزيعات المركزية، عن غير المنتظمة، مثل بيع اللاعبين والجوائز.

ثم يأتي تصميم عقود الرعاية بما يجعل تدفقاتها المستقبلية قابلة للتمويل، ومعالجة المتطلبات التنظيمية مبكرًا، وإنشاء تسهيلات لرأس المال العامل قبل الحاجة إليها، وأخيرًا تنويع مصادر التمويل.

والهدف هو فك الارتباط بين موعد دفع الرواتب ووصول دفعات الرعاية، حتى لا يجبر تأخر دفعة أو هدوء سوق الانتقالات النادي على اتخاذ قرارات مالية قصيرة الأجل.

لكن الرعاية المحلية وحدها لن تكون كافية. إذ يرى التقرير أن المرحلة التالية تتطلب توسيع الإيرادات عبر حقوق البث الدولية والرعايات العالمية وتطوير اللاعبين وبيعهم.

ومع استضافة السعودية كأس العالم 2034، يرى «ألفاريز آند مارسال» أن رأس المال متاح، لكن شروط الحصول عليه ستعتمد على الطريقة التي تبني بها الأندية إيراداتها وتنظم عقودها.

وبذلك، تصبح قدرة النادي على توليد إيرادات متعاقد عليها، وليس فقط قوة مساهميه، عاملًا رئيسيًا في قدرته على الاقتراض وتكلفة تمويله.

الاتحاد 1

منتدى الاقتصادية 2026