يقترب أحد الأسرار المفضلة لدي في سوق الأسهم: انتخابات "التجديد النصفي" في أمريكا، وما يعقبها من تهدئة واضحة وانتعاش للأسواق. فانتخابات التجديد النصفي — وما تُنتجه غالبًا من حالة جمود تشريعي — تدشن باستمرار أكثر فترة إيجابية مدتها 9 أشهر في تاريخ الأسهم الأمريكية. ورغم أن الحرب وحالة عدم اليقين في أسعار النفط قد تحدان من هذا التأثير في السوق المالية السعودية، فإن على المستثمرين السعوديين الذين يوزعون استثماراتهم عالميًا (وهو خطوة يُنصح بها!) الانتباه لهذا الأمر.
وقد أشرتُ في توقعاتي المتفائلة لعام 2026 إلى هذا التأثير الإيجابي لانتخابات التجديد النصفي: فهي في أغلب الأحيان تُعزز الجمود التشريعي، ما يعرقل إقرار القوانين الكبيرة التي قد تثير قلق الأسواق. ولأن انتخابات التجديد النصفي تُضعف نفوذ الرئيس داخل الكونجرس، يلجأ الرؤساء دائمًا إلى تمرير أكبر مشاريع القوانين وأكثرها إثارة للجدل خلال أول عامين من ولايتهم. هذا هو الحال دائمًا، وينتج عن ذلك رابحون وخاسرون، ما يثير مخاوف معظم الناس من قرارات مستقبلية قد تضر بمصالحهم، وهو ما يزيد من تزايد النزعة إلى تجنب المخاطر السياسية، الأمر الذي تكرهه الأسهم ويؤدي غالبًا إلى تراجع العوائد.
كما أن السنة الثانية من ولاية الرئيس (مثل عام 2026) تشهد انطلاق الحملات الانتخابية للتجديد النصفي، وما يتخللها من تصريحات حادة تثير قلق الأسواق. بناءً على ذلك، وخلال القرن الماضي، ارتفعت الأسهم الأمريكية في 46% و58% و60% فقط من الحالات خلال الأرباع الثلاثة الأولى من سنوات التجديد النصفي. ثم تأتي انتخابات التجديد النصفي، لتقلص القاعدة السياسية لحزب الرئيس.
وهنا تنتعش أسواق الأسهم مع تلاشي احتمالات إقرار التشريعات الخلافية الكبرى. وقد سجلت الأسهم الأمريكية ارتفاعًا في 84% من الأرباع الرابعة لسنوات التجديد النصفي على مدار القرن الماضي. أما الأرباع الثلاثة المتتالية التي تبدأ من أكتوبر، فقد حققت نتائج إيجابية في جميع الدورات باستثناء دورة واحدة فقط، بمتوسط ارتفاع بلغ 19.8% بالدولار — وهي السلسلة الإيجابية الأكثر اتساقًا لمدة تسعة أشهر في التاريخ المالي. ولا يهم هنا الحزب الحاكم. وكذلك لا يهم أداء الأسهم في الفترة السابقة من العام.
ونظرًا للترابط الوثيق بين الأسواق، فإن هذا الأثر الإيجابي يمتد إلى الأسواق العالمية. فمعامل الارتباط بين الأسهم الأميركية وغير الأمريكية عالميًا يبلغ 0.87، وهو معدل مرتفع، علمًا بأن 1.00 يعني حركة متطابقة و1.00- يعني حركة معاكسة تمامًا. أما معامل ارتباط السوق المالية السعودية فهو أقل عند 0.44 بسبب تأثير قطاع الطاقة، ولكنه يظل إيجابيًا.
بالتالي، فإن ما ينعكس إيجابيًا على السوق الأمريكية يدعم الأسهم العالمية — بما في ذلك السوق المالية السعودية. على سبيل المثال، في عام 2022: منذ بداية الربع الرابع لعام 2022 وحتى نهاية الربع الثاني لعام 2023، قفز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة %24 بالدولار. كما ارتفع مؤشر إم إس سي آي للأسهم العالمية باستثناء أمريكا بنسبة %16.0 بالعملات المحلية. (في حين حققت السوق المالية السعودية مكاسب ضئيلة بنسبة %0.5 في ظل تراجع أسعار النفط).
وهذا المسار التاريخي يتشكل مجددًا الآن. حيث يسود المشهد حاليًا تصريحات انتخابية حادة. فالجمهوريون يخشون صعود المرشحين الاشتراكيين الديمقراطيين. بينما يخشى الديمقراطيون وكثيرون خارج أمريكا من اتخاذ الرئيس دونالد ترمب قرارات متطرفة. تجاهل كل ذلك. انظر إلى الأمر بمنظور الأسواق: فمهما كانت النتيجة، يتوقع أن يزداد الجمود التشريعي، وهو أمر إيجابي للأسواق! وهذا مؤشر لسوق صاعدة.
حاليًا، يمتلك الجمهوريون بزعامة ترامب أغلبية ضئيلة جدًا في كلا مجلسَي الكونجرس. وتشمل الانتخابات جميع مقاعد مجلس النواب البالغة 435 مقعدًا، إضافة إلى 35 مقعدًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ. ونظرًا للتقسيم السابق للدوائر الانتخابية من الحزبين، فإن المنافسة الحقيقية تقتصر على نحو 25 مقعدًا فقط في مجلس النواب. وهي التي ستحدد الأغلبية في مجلس مقسم بالتعادل تقريبًا. وفي مجلس الشيوخ، حُسمت أغلب المقاعد باستثناء 7 مقاعد فقط تشهد منافسة محتدمة. علمًا بأن الجمهوريين يمتلكون الأغلبية حاليًا بواقع 53 مقابل 47.
لذا فإن التغيير لا يتطلب تحولاً كبيرًا في المقاعد. فإذا سيطر الديمقراطيون على مجلس واحد على الأقل —وهو أمر وارد في ظل تراجع أرقام الاستطلاعات لترمب والمعارضة الشديدة له— فسندخل في حالة جمود تشريعي تام. وإذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين؟ ستتقلص أغلبيتهم في كل الأحوال. وبعد انتهاء الاقتراع في 3 نوفمبر، سيبدأ الجمهوريون في الإعداد لمرحلة ما بعد ترمب، ما يدفع العديد منهم —خاصة في مجلس الشيوخ— إلى المنافسة والخلافات الداخلية لحجز مواقعهم المستقبلية. وهذا سيناريو يتكرر دائمًا. وهو ما يحيّد المخاطر التشريعية السياسية ويدعم أداء الأسهم.
ستشتد حدة التصريحات المقلقة قبل الاقتراع مباشرةً في نوفمبر. لكن يُفضل تجاهلها. إذ من المتوقع أن يدفع هذا الأثر التاريخي سوق الأسهم نحو الارتفاع عالميًا قريبًا. احرص على تنويع استثماراتك عالميًا واستفد من هذه الفترة.
مؤسس Fisher Investments وأكبر مستشار استثماري في العالم وكاتب متخصص في أسواق الأسهم والصناديق الاستثمارية

