يرى المحلل إريك ألتر أن التاريخ قد يعيد نفسه بصيغ مختلفة؛ فبعد أن اعتبر عام 1930 — الذي أعقب مباشرة الانهيار الاقتصادي الكبير — العام الأكثر غرابة في القرن العشرين، يلوح في الأفق عام 2025 بوصفه عامًا سعى فيه الجميع تقريبًا إلى تفادي كارثة آخذة في التصاعد.
وبحلول 2026، لم يعد — بحسب ألتر — من الممكن النظر إلى تحركات إدارة الرئيس ترمب تجاه فنزويلا أو جرينلاند باعتبارها شؤونًا تخص نصف الكرة الغربي فحسب، بل مؤشرات على اضطراب أوسع في بنية النظام الدولي.
ألتر، عميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي وأستاذ القانون الدولي والدبلوماسية والزميل غير المقيم في Atlantic Council، كتب في تقرير نشرته مجلة The National Interest أن هذا الاضطراب لم يعد مصدر قلق محدود، بل تحول إلى عامل يهدد أسس الطمأنينة والتعهدات والثقة المتبادلة الهشة بين القوى الكبرى، بما قد يؤدي إلى تغيير دائم في ميزان القوى العالمي.
ويشير التقرير إلى أن التنافس لم يعد مقتصرًا على الولايات المتحدة والصين، بل بات قائمًا بين نسختين من الغرب ذاته: الولايات المتحدة وأوروبا. وقد بلغ هذا التنافس السواحل الأوروبية، وسط مخاطر انسلاخ واشنطن من NATO، واحتمال تهديد تماسك أوروبا.
عقيدة مونرو هي مبدأ في السياسة الخارجية الأمريكية أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في 1823، ومفاده رفض أي تدخل أوروبي في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل تعهد بعدم التدخل في النزاعات الأوروبية
ويرى ألتر أن الحلف الأطلسي، الذي تأسس عام 1949 في خضم الحرب الباردة، يبدو فجأة وكأنه تحالف عفا عليه الزمن في نظر بعض صناع القرار الأمريكيين، الذين يتساءلون عن جدوى التضحية بالموارد والأرواح دفاعًا عن حدود البلطيق أو استقلال أوكرانيا، في وقت تتقدم فيه تهديدات أخرى مثل الهجرة أو التحديات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية.
توسيع هامش المناورة الاستراتيجية
وتسعى الولايات المتحدة — وفق التقرير — إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية، مستندة إلى أعباء مالية وتمدد مفرط. ويبدأ ذلك بتقليص انتشار القوات، وقد يمتد إلى مستويات أعمق من التضامن بين الحلفاء، بما يشمل هياكل القيادة والتدريبات المشتركة وشبكات الاستخبارات.
ومع تراجع الروابط، قد يشتد الصراع داخل أوروبا نفسها، خصوصًا مع مساعي باريس وبرلين لإنشاء جيش أوروبي أكثر استقلالية، وهو ما قد يكشف عن انقسامات داخل الاتحاد. ويظل الاتحاد الأوروبي، بحسب ألتر، الحلقة الأضعف، لا سيما بعد ما أشارت إليه استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 من ضرورة تركيز أوروبا على قارتها بدل الطموح إلى دور عالمي واسع.
“عقيدة مونرو”
ويستحضر التقرير جذور “عقيدة مونرو” التي أعلنها الرئيس الأمريكي عام 1823، ومفادها حماية نصف الكرة الغربي وعدم التدخل في شؤون أوروبا. ويرى ألتر أن أوروبا تحتاج اليوم إلى نسختها الخاصة من هذه العقيدة، تحدد نطاق نفوذها بوضوح، وتشمل دول الاتحاد وأقاليمه المرتبطة وربما دول غرب البلقان والشراكة الشرقية.
وقد جاءت العقيدة في سياق استقلال دول أمريكا اللاتينية عن الاستعمار الأوروبي، لتؤسس لاحقًا لاعتبار القارة الأمريكية مجال نفوذ استراتيجي لواشنطن، قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى أحد المرتكزات التي استندت إليها الولايات المتحدة في تبرير سياساتها وتدخلاتها في المنطقة.
كما يقترح دمج ما يتبقى من هياكل الناتو — في حال انسحاب أمريكي محتمل — ضمن إطار أمني أوروبي مشترك، بهدف إنشاء اتحاد دفاعي متجدد. غير أن التحدي الأكبر، بحسب التقرير، لا يكمن في نقص الأدوات، بل في غياب الإرادة السياسية.
5 أسباب للتفاؤل بشأن الاقتصاد الأمريكي في 2026
ويحذر ألتر من أن التفكك التدريجي قد يقود إلى تحالفات أوروبية صغيرة متناثرة، على غرار كتل إقليمية، بما يجعلها أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، ويعيد إلى الأذهان أجواء العزلة بين الحربين العالميتين، حين تسارعت وتيرة التآكل التحالفي ومهدت لصراعات كبرى.
ويدعو التقرير أوروبا إلى إظهار وحدة مماثلة لتلك التي برزت عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، مع تجاوز الانقسامات الداخلية والسعي إلى بناء قدرة دفاعية موحدة، كما اقترح الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron.
كما يشدد على ضرورة توظيف القوة الاقتصادية الأوروبية في مواجهة الضغوط الأمريكية والصينية، عبر أدوات مثل آلية مكافحة الإكراه أو فرض تعريفات متبادلة، وحماية الصناعات الحيوية كالتكنولوجيا الرقمية والدفاع.
ويخلص ألتر إلى أن تبني نسخة أوروبية من عقيدة مونرو قد يمنح القارة واقعية دفاعية تعزز مكانتها العالمية. أما دون ذلك، فإن أوروبا — في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة — قد تجد نفسها طرفًا في صراعات يصوغها آخرون، بدل أن تكون فاعلًا رئيسيًا في رسم توازناتها.

