بفضل نهج ترمب، تواجه الأسواق العالمية اليوم أزمة طاحنة تتعدى حدود العمليات العسكرية، فقد بدأت الحرب مع إيران تلحق أضرارا جسيمة بالاقتصاد العالمي.
ولا تقتصر التداعيات على قفزات أسعار الطاقة فحسب، بل تمتد إلى تهديدات بنقص الغذاء في الدول الفقيرة، وزعزعة استقرار الدول الهشة، ووضع البنوك المركزية العالمية في مأزق تاريخي لم يشهده العالم منذ عقود، بحسب مجلة "فورتشن".
مضيق هرمز.. شريان العالم وكابوس اليوم
يكمن لب الأزمة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس النفط العالمي. أغلق المضيق أمام الملاحة عقب الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية فبراير الماضي.
يقول موريس أوبستفيلد، الباحث في معهد "بيترسون" للاقتصاد الدولي وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي: "طالما كان سيناريو الكابوس الذي ردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مجرد التفكير في شن هجوم على إيران هو إغلاق الإيرانيين لمضيق هرمز. واليوم، نعيش هذا الكابوس واقعا".
كما حذر الخبير الاقتصادي سايمون جونسون، من معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، قائلاً: "يجب إعادة فتح مضيق هرمز. يمر عبره 20 مليون برميل من النفط يوميًا، ولا توجد طاقة إنتاجية فائضة في العالم قادرة على سد هذه الفجوة".
ومع اختفاء هذه الكميات الضخمة من الأسواق، قفزت أسعار النفط، من أقل من 70 دولارًا للبرميل في 27 فبراير إلى ذروة بلغت نحو 120 دولارًا فجر الاثنين، قبل أن تستقر عند 90 دولارًا.
وقالت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي: إن كل زيادة 10% في أسعار النفط -شريطة استمرارها معظم العام- سترفع التضخم العالمي 0.4 نقطة مئوية، وستخفض الناتج الاقتصادي العالمي بنسبة تصل إلى 0.2%.
أزمة غذاء تلوح في الأفق
لا تتوقف تداعيات إغلاق المضيق عند محطات الوقود، بل تمتد إلى قطاع الزراعة العالمي، إذ يمر عبر المضيق 30% من صادرات الأسمدة العالمية. نجم عن هذا قفزة حادة في تكاليف الإنتاج الزراعي. ويحذر الباحث أوبستفيلد من أن الأثر سيكون مدمراً في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث تجتمع التكاليف الإضافية مع تحديات الإنتاجية وتهدد بأزمة غذاء.
باكستان نموذج للدول الأشد تضرراً
تجد باكستان نفسها في وضع قاتم استثنائي، فهي تستورد 40% من احتياجاتها من الطاقة، وتعتمد اعتمادا كاملا تقريبا على الغاز القطري الذي انقطع بسبب الحرب. كما يهدد نقص الأسمدة المستوردة عبر المضيق قطاعها الزراعي الحيوي.
وبدلاً من خفض الفائدة لتخفيف الأزمة، من المرجح أن يضطر البنك المركزي الباكستاني إلى رفعها، وفقًا للخبيرين الاقتصاديين جاريث ليذر ومارك ويليامز من "كابيتال إيكونوميكس".
الرابحون والخاسرون
لكن الدول المنتجة للنفط والبعيدة عن منطقة النزاع، مثل النرويج وروسيا وكندا، ستستفيد من ارتفاع أسعار النفط دون التعرض لخطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. بينما يترنح مستوردو الطاقة في أوروبا وآسيا، مثل اليابان وكوريا وتايوان، تحت وطأة الأسعار المستعرة.
أما في الداخل الأمريكي، فإن وصول سعر جالون الوقود إلى 3.48 دولار سيمتص التخفيضات الضريبية لعام 2025، وبذلك، ستتحول الفوائد المالية التي انتظرتها الأسر إلى مجرد أرقام على الورق تلتهمها تكاليف المعيشة المتصاعدة.
معضلة للبنوك المركزية
يضع هذا الواقع الجديد البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في معضلة. فارتفاع أسعار الطاقة يؤجج التضخم، لكنه يضر بالاقتصاد أيضاً.
يتذكر محافظو البنوك المركزية خطأ أسلافهم في سبعينيات القرن الماضي عندما استهانوا بصدمة النفط، وحظر النفط العربي، إذ اعتقدوا أنها مؤقتة، وظنوا أن بإمكانهم التكيف مع الوضع بخفض أسعار الفائدة، لكن سرعان ما ندموا لاحقًا بعدما شهد التضخم ارتفاعا كبيرا.

