الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026|2 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


في يوليو الماضي، وقّع الرئيس دونالد ترمب "قانون جينيوس" ليصبح نافذاً. ويضع التشريع إطاراً تنظيمياً على مستوى الولايات المتحدة للعملات المستقرة، وهي رموز مشفرة ترتبط قيمتها بالدولار الأمريكي، ويمهد رسمياً الطريق أمام البنوك والمؤسسات المالية الأخرى لإصدار عملاتها الخاصة بموافقة اتحادية.

يرى مؤيدو العملات المشفرة، ومن بينهم دونالد ترمب جونيور، أن إضفاء الشرعية على العملات المستقرة المقومة بالدولار من شأنه أن يعزز مكانة العملة الأميركية بوصفها العملة المهيمنة عالمياً. وطرح وزير الخزانة سكوت بيسنت الحجة نفسها. وتقوم الفكرة الأساسية على أن مُصدري العملات المستقرة ملزمون بدعم الرموز بنسبة واحد إلى واحد بأصول مقومة بالدولار، مثل أذون الخزانة، ما يعني أن انتشار العملات المستقرة سيترجم إلى طلب أكبر على الدين الحكومي. ومن شأن ذلك، بدوره، أن يخفض العوائد ويجعل الاقتراض أرخص، ليس فقط للحكومة الأميركية، بل لجميع الأميركيين.

يقول كثيرون إن الهيمنة العالمية للدولار تواجه تهديداً. فقد تراجعت حصة احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية المحتفظ بها بالدولار خلال السنوات الأخيرة، من 64% في 2015 إلى 56% في 2025، بحسب صندوق النقد الدولي.

Fri, 27 2026

وهناك أسباب عديدة لذلك، من بينها أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب نفّرت حتى حلفاء موثوقين، فيما أثارت محاولات الإدارة الحد من استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قلق المستثمرين. كما أن بلوغ ديون الحكومة الأميركية 40 تريليون دولار لا يعزز الثقة أيضاً.

هيمنة الدولار تحت الضغط

صحيح أن الموافقة الاتحادية على العملات المستقرة يمكن أن تساعد في دعم الدولار، وفق اقتصاديين. وقال إسوار براساد، الأستاذ في جامعة كورنيل والخبير في شؤون النقود بمختلف أشكالها: "كلما زاد انتشار العملات المستقرة، كان ذلك مكسباً كبيراً للولايات المتحدة، لأنه يعني استمرار هيمنة الدولار كعملة للمدفوعات، كما يعزز الطلب على سندات الخزانة الأمريكية".

لكن هل سيؤدي ذلك فعلاً إلى خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة؟ قال أميت سيرو، أستاذ التمويل في كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة ستانفورد: "تعرفون ما هي إجابتنا المفضلة نحن الاقتصاديين: الأمر يعتمد". فإذا اشترى شخص عملات مستقرة مدعومة بأصول أميركية باستخدام أموال سحبها من صندوق لسوق النقد، فلن يحدث فرق كبير، لأن الأمر لا يعدو كونه نقل أصول مقومة بالدولار من مكان إلى آخر. أما إذا دفع ثمن الرموز بالليرة التركية، فسيخلق ذلك طلباً جديداً على سندات الخزانة، وقد يستفيد المقترضون الأميركيون.

Wed, 02 2026

حتى في هذه الحالة، سيؤثر انتشار العملات المستقرة أساساً في أسعار الفائدة على أذون الخزانة قصيرة الأجل، لأن "قانون جينيوس" يلزم مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بالأموال في استثمارات لا تتجاوز آجالها 93 يوماً. ولن يكون التأثير بالقدر نفسه على عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات، وهي معيار للقروض العقارية وأنواع أخرى من قروض المستهلكين، التي قفزت أخيراً وأصبحت مصدر إزعاج للإدارة. وقال سيرو: "على المدى القصير، لا أرى أن إصدار العملات المستقرة سيقود إلى انخفاض كبير في أسعار الفائدة. وإذا انخفضت الفائدة، فسيكون ذلك لأننا نجحنا في ضبط أوضاعنا المالية".

فوائد محدودة للفائدة

يمكن للعملات المستقرة أيضاً أن تضيف تعقيدات إلى النظام المالي. ففي ورقة بحثية حديثة، يرى كل من نيلي ليانغ، الاقتصادية في "معهد بروكينغز" (Brookings Institution)، وبرنت نيمان، الأستاذ في كلية "بوث" لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، أن اشتراط القانون دعم العملات المستقرة بأصول آمنة نسبياً وسائلة قد يجعل أسعار الفائدة على أذون الخزانة قصيرة الأجل أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ. كما يشيران إلى أن انتشار العملات المستقرة قد يضعف فاعلية العقوبات الأميركية ويجعل تطبيق سياسات مكافحة غسل الأموال أكثر صعوبة، لأن المستخدمين يستطيعون تداول العملات المستقرة بهوية مجهولة بسهولة أكبر من تداول الدولار.

هناك أيضاً احتمال أن تفقد العملات المستقرة استقرارها. ويحاول "قانون جينيوس" تفادي هذا السيناريو عبر إلزام الرموز بأن تكون مدعومة بالكامل بأصول مقومة بالدولار، ويفضل أن تكون أذون خزانة، لكن يمكن أيضاً أن تكون قروضاً لليلة واحدة مضمونة بأذون خزانة أو صناديق لسوق النقد. وحتى هنا تبدو الأمور آمنة. لكن الأكثر إثارة للمشكلات هو اختيار المشرعين السماح باستخدام ودائع مصرفية غير مؤمَّن عليها كضمان. فقد يؤدي انهيار بنك إلى تعريض تلك الودائع للخطر.

Sun, 26 2026

عندها، يمكن للعملة المستقرة نفسها أن تفقد ارتباطها بالدولار، ولا يتطلب الأمر سوى انحراف بسيط لإشعال موجة سحب قد تجتاح فئة الأصول بأكملها. فإذا هبط سعر عملة مستقرة فجأة إلى 99 سنتاً، فسيسارع كل من لا يريد خسارة أمواله إلى التخلص منها، ما يدفع قيمة الرمز إلى مزيد من الانخفاض ويفاقم موجة الهروب.

هذا كله يتعلق بالعملات المستقرة المتوافقة مع "قانون جينيوس". أما العملات المستقرة غير المعتمدة، ومنها تلك التي يصدرها مُصدرون في الخارج، فلا تخضع للقواعد نفسها وقد تُستثمر احتياطياتها في أصول أكثر خطورة. ويشمل ذلك العملة المستقرة الأكثر شعبية على الإطلاق، "تيثر"، التي يقع مقر الشركة المُصدرة لها في السلفادور. فإذا انهارت قيمة بعض الأصول التي تستند إليها عملة ما، فقد يُضطر المُصدر إلى بيع أصوله الأكثر أماناً، ما يفرض ضغوطاً هبوطية على تلك الأسواق أيضاً. وقال جون كروفورد، الأستاذ في كلية القانون بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، الذي كتب عن مخاطر العملات المستقرة: "ما يحدث في أسواق الدولار الخارجية لا يبقى محصوراً في أسواق الدولار الخارجية".

مخاطر فقدان الارتباط

لمعالجة هذا القلق، تعمل "تيثر" على إنشاء رمز مخصص للسوق الأمريكية ومتوافق مع القانون الجديد. كما تقول الشركة إنها تحتفظ باحتياطي إضافي يعادل 3.7% من رأس المال، ما يعني أن قيمة أصولها يجب أن تنخفض بأكثر من هذه النسبة قبل أن تظهر مشكلات حقيقية. وقال براساد: "كل هذا يبدو جيداً جداً، لكن يمكن تصور وضع تواجه فيه عملة مستقرة مدعومة بالدولار ومتوافقة مع قانون جينيوس بعض الضغوط الناجمة عن طلبات الاسترداد".

أما أكبر تهديد للدولار، بحسب سيرو، فليس العملات المستقرة ولا أي عملة أخرى، بل تراجع الثقة في القيادة الأميركية ومؤسسات الولايات المتحدة. وقال: "لا تستطيع التكنولوجيا التعويض عن ضعف المؤسسات. ويظل الدولار مهيمناً لأن الناس يثقون بالنظام الذي يقف خلفه".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية