تهيمن على الأسواق الأمريكية موجة ما يُعرف بـ"تداولات الخوف من الذكاء الاصطناعي"، إذ يُقدم المستثمرون على بيع أسهم شركات البرمجيات ومديري الثروات، وسط القلق من أن يؤدي التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي إلى تقويض نماذج الأعمال القائمة.
في الصين، يسود مناخ من التفاؤل. فبدلاً من القلق من الاضطرابات، يلاحق المستثمرون ما يرونه شركات رابحة، مدفوعين بآفاق نمو الذكاء الاصطناعي وقدرته على تحقيق وفورات في التكلفة لدى المستخدمين النهائيين.
اهتمام بشركات التطوير وتصنيفات إيجابية من وول ستريت
الشركات المحلية التي أطلقت نماذج جديدة أو طوّرت نماذجها القائمة باتت مفضلة لدى المستثمرين. وتُعد شركتا "ميني ماكس جروب" (MiniMax Group Inc) و"نولدج أطلس تكنولوجي" (Knowledge Atlas Technology JSC Ltd)- المعروفة باسم "تشيبو" (Zhipu) من أبرز الأمثلة، إذ زاد سعر بأكثر من الضعف خلال فبراير. كما عززت تصنيفات إيجابية من بنوك في وول ستريت، من بينها "مورغان ستانلي" حالة التفاؤل، في وقت تجذب فيه أسهم الذكاء الاصطناعي الخالصة المستثمرين بعيداً عن عمالقة الإنترنت التقليديين.
وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في "ساكسو ماركتس" بسنغافورة: "كانت الصين بمنأى نسبياً عن موجة الهلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لأن السوق لا تزال تركز على ما يمكن أن يساعد فيه الذكاء الاصطناعي، لا على ما قد يسحبه من الشركات القائمة". وأضافت "في الولايات المتحدة، يسود القلق من تآكل مصادر الأرباح الضخمة، بينما تتركز الصين على التوسع والانتشار".
بيئة تنافسية مختلفة في الصين
أحد الأسباب الرئيسية لاختلاف تركيز المستثمرين يتمثل في الطبيعة التنافسية المعزولة نسبياً في الصين، حيث تحد القيود التنظيمية والتوترات الجيوسياسية من مشاركة الشركات الأجنبية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقال غاري تان، مدير المحافظ في "ألسبرينغ غلوبال إنفستمنتس" بسنغافورة: "يعكس الاختلاف بين المشاركين في السوق الصينية والمستثمرين العالميين مدى تفرّد بنية قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين". وأضاف أن نماذج اللغة الكبيرة الأجنبية "لديها وصول محدود إلى السوق المحلية، ما يمنح مطوري النماذج المحليين مساحة شبه خالية من المنافسة".
قفزات قوية لأسهم مطوري النماذج الصينية
حظيت أسهم "ميني ماكس" و"تشيبو" باهتمام واسع أيضاً بسبب ندرة الشركات العالمية المدرجة التي تطور نماذج لغوية كبيرة. فقد أدرجت الشركتان أسهمهما في هونغ كونغ خلال يناير، وارتفعت أسهم "تشيبو" منذ ذلك الحين بنسبة 524%، بينما صعدت أسهم "ميني ماكس" بنحو 488%. في المقابل، لا تزال شركات رائدة في هذا المجال مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" غير مدرجة.
كما حققت أسهم صينية أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي مكاسب قوية. فأسهم شركة "شنغهاي بيرين تكنولوجي" (Shanghai Biren Technology Co)، المتخصصة في تصميم الرقائق، ارتفعت بأكثر من 80% منذ إدراجها في 2 يناير، بينما قفز سهم "مونتاج تكنولوجي" (Montage Technology Co) بأكثر من 98% منذ بدء تداوله في 9 فبراير.
تأثير الهالة والتمويل الخاص على الذكاء الاصطناعي
تستفيد الشركات الصينية أيضاً من تأثير الهالة، في ظل جولات تمويل خاصة جديدة للشركتين الرائدتين تشير إلى ارتفاع مستمر في التقييمات. إذ تقترب "أوبن إيه آي" من جمع أكثر من 100 مليار دولار من الأموال الجديدة بتقييم قد يتجاوز 850 مليار دولار، في حين جمعت "أنثروبيك" هذا الشهر 30 مليار دولار عند تقييم بلغ 380 مليار دولار.
وكتب محللون في "جيفريز فايننشال غروب" (Jefferies Financial Group Inc)، من بينهم إديسون لي، في مذكرة بتاريخ 13 فبراير، أن النماذج الجديدة وأرقام التمويل "أسهمت في إعادة تسعير القطاع، مضيفين أن "هناك مجالاً لمزيد من الصعود في تقييمات الذكاء الاصطناعي في الصين".
في المقابل، يحذر بعض المتابعين من أن استمرار إعادة التسعير قد يكون صعباً إذا لم يواكب نمو الأرباح تفاؤل المستثمرين. كما أن هناك مخاوف من أن يؤدي تركيز المستثمرين على الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، إلى تجاهل حقيقة أكثر إزعاجا: مخاطر الاضطراب التي قد تمتد إلى قطاعات متعددة، وتؤثر سلباً في أرباح الشركات على نطاق أوسع.
تحفيزات جديدة للذكاء الاصطناعي في الصين
على الرغم من ذلك، ينظر المستثمرون في الصين إلى كل تطور جديد في الذكاء الاصطناعي بوصفه محفزاً ليس فقط للمطورين، بل أيضاً لمستخدمي هذه التقنيات. فقد أدى إطلاق تطبيق لصناعة الفيديو من قبل "بايت دانس" (ByteDance)، المالكة لـ"تيك توك"، إلى موجة صعود في أسهم شركات الإعلام والسينما.
وأطلقت "تشيبو" مؤخراً الإصدار الأحدث من نموذجها اللغوي الكبير "GLM-5"، الذي تفوق على نموذج منافس من شركة "مونشوت إيه آي" (Moonshot AI) كشفت عنه قبل أسابيع فقط، ليحتل المركز الأول عالمياً بين نماذج المصادر المفتوحة على موقع "أرتيفيشال أناليسيز" (Artificial Analysis) المتخصص في التقييم. ووفقاً لمذكرة "جيفريز"، يُعد ذلك أعلى تصنيف تحققه مختبرات ذكاء اصطناعي صينية حتى الآن.
ويرتبط جزء من الزخم أيضاً بشركة "ديب سيك" (DeepSeek)، التي أشعلت موجة اهتمام عالمية بقطاع الذكاء الاصطناعي الصيني سريع النمو، مع توقعات بإطلاق نموذجها الجديد قريباً، ما قد يدعم القطاع بأكمله.
كما أن ثمة توقعات بأن تعزز القدرة التنافسية من حيث التكلفة للنماذج الصينية، مثل تلك التي تطورها "ديب سيك" وتيرة تبني المستخدمين لها.
رهانات وول ستريت على الصين
بدأت مؤسسات مثل "مورغان ستانلي" و"جيفريز" و"يو إس بي غروب" تغطية أسهم "ميني ماكس" بتوصيات تعادل "الشراء". ويتوقع "مورغان ستانلي" أن تصل إيرادات الشركة إلى نحو 700 مليون دولار بحلول 2027، ما يعني نمواً يصل إلى عشرة أضعاف خلال عامين.
وقال بيلي ليونغ، استراتيجي الاستثمار في "غلوبال إكس مانجمنت"(Global X Management): "إطلاق إصدارات حديثة من نماذج الذكاء الاصطناعي في الصين أعاد إشعال الاهتمام بقادة النماذج الأساسية، كما أن بدء مورغان ستانلي تغطية ميني ماكس بتوقعات إيرادات شديدة الطموح عزز هذا الاتجاه". وأضاف أن "الأموال تتجه نحو شركات الذكاء الاصطناعي الخالصة، في حين تشهد منصات متنوعة مثل علي بابا وتينسنت بعض عمليات جني الأرباح".

