الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لم يعد كون الدولة من أقرب حلفاء واشنطن يعني بالضرورة أنها ستواصل تمويل العجز الأمريكي بانتظام.

اشترت الدول والمناطق الأكثر تقارباً مع الولايات المتحدة سندات خزانة أمريكية، باستثناء أذون الخزانة، بصافي 174.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفقاً لتحليل لبيانات وزارتي الخزانة والخارجية الأمريكيتين. وكان ذلك أدنى مستوى لهذه الفترة منذ عام 2021، بانخفاض تجاوز 60% مقارنةً بالعام السابق.

يبرز هذا التحول في آسيا، حيث باتت الاقتصادات التي تحقق فوائض كبيرة توجه حصة أقل من تلك الأموال إلى أدوات الدين الأميركية. فقد اشترت اليابان، أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، ما قيمته 389 مليون دولار فقط خلال الأشهر الثمانية الأولى، بانخفاض 99% مقارنةً بالعام السابق. وباعت كوريا الجنوبية سندات بقيمة 23.8 مليار دولار، وهو أكبر حجم مبيعات لهذه الفترة منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1977. وكانت تايوان أيضاً من صافي البائعين.

تراجع الطلب الآسيوي

لا يوجد تفسير واحد لهذا التحول. فقد أفصحت الحكومات عن القليل بشأن أي خطط لتجنب سندات الخزانة الأميركية، كما أن البيانات لا تفصل بين مشتريات الحكومات واستثمارات القطاع الخاص على مستوى كل دولة. وربما تسهم عوامل عدة في هذا التحول، من بينها ضعف العملات، وارتفاع العوائد في الأسواق المحلية، وتزايد الطلب على الأسهم، والقلق بشأن السياسات الأميركية.

قال ماساهيكو لو، كبير استراتيجيي الدخل الثابت لدى "ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت" (State Street Investment Management)، التي تدير أصولاً تتجاوز 6 تريليونات دولار: "سوق سندات الخزانة الأميركية لا تفقد المشترين الأجانب، بل تفقد المشترين الذين كانوا يشترونها تلقائياً". وأضاف: "مع تزايد صعوبة التنبؤ بالسياسات الأميركية، يصبح من الأصعب تبرير الاحتفاظ بحصص استثمارية كبيرة ودائمة في سندات الخزانة، أو الاستمرار في توجيه رؤوس الأموال إليها تلقائياً".

تجاوز الدين الحكومي الأمريكي 40 تريليون دولار، ما جعل أكبر اقتصاد في العالم أكثر اعتماداً على المستثمرين لتمويل إنفاقه. وفي الوقت نفسه، أثارت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب وحالة عدم اليقين بشأن السياسات الأميركية مخاوف حيال آفاق الدولار على المدى الطويل. ومع ارتفاع العوائد في أسواق تمتد من اليابان إلى أوروبا، باتت أمام المستثمرين العالميين بدائل لسندات الخزانة الأميركية أكثر مما كانت متاحة في السابق.

Mon, 26 2026

اعتادت الاقتصادات الآسيوية التي تحقق مدخرات كبيرة تحويل فوائضها إلى الدولار، واستثمار تلك الأموال في سندات الخزانة الأميركية. لكن هذا العام، أدى ضعف عملاتها إلى تراجع قدرتها الشرائية، ودفع الحكومات إلى السحب من احتياطياتها.

هبط الين إلى أدنى مستوى له في أربعة عقود، وأشارت البيانات إلى أن طوكيو باعت بعض حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية وأوراق مالية أخرى خلال الصيف، في إطار مساعيها لدعم العملة. كما تراجع الوون الكوري الجنوبي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2009 قبل أن يتعافى.

لم تقدم الحكومات توضيحات كثيرة بشأن نهجها. ففي مايو، أشار مسؤول كبير في وزارة المالية اليابانية إلى أن بيع سندات الخزانة الأميركية لدعم الين قد يأتي بنتائج عكسية، قائلاً إن السلطات تدرك المخاطر المرتبطة ببيع حيازاتها. وفي سبتمبر، أعلن بنك كوريا المركزي أنه يعتزم توسيع نطاق استثماراته لتشمل أصولاً أخرى غير السندات الأميركية، وذلك بالنسبة إلى جزء من احتياطياته التي تديرها شركات محلية لإدارة الأصول.

تصنيف الدول

يمكن أن يكون تحديد درجة التقارب مع الولايات المتحدة مسألةً نسبية. ويصنف هذا التحليل، الذي يمثل تحديثاً لتحليل نُشر للمرة الأولى في فبراير، الدول إلى فئات الأكثر تقارباً مع واشنطن، والأقل تقارباً، والمحايدة، استناداً إلى مدى تطابق تصويتها مع التصويت الأميركي على قرارات رئيسية للأمم المتحدة، باستخدام بيانات وزارة الخارجية الأميركية. ويُستخدم هذا النهج على نطاق واسع في الأبحاث الأكاديمية لتحديد الحلفاء والخصوم.

فعلى سبيل المثال، صُنفت أستراليا، الحليف العسكري للولايات المتحدة منذ فترة طويلة، ضمن الدول الأكثر تقارباً معها، والصين ضمن الأقل تقارباً، فيما جاءت المكسيك، جارة الولايات المتحدة، ضمن الفئة المحايدة.

Mon, 08 2019

تمثل الأرقام صافي مشتريات سندات الخزانة الأميركية، أي المشتريات مطروحاً منها المبيعات، للسندات التي تزيد آجال استحقاقها الأصلية على عام واحد. وتشمل البيانات 57 دولة ومنطقة، وتغطي المستثمرين الحكوميين والقطاع الخاص.

ربما تنسب بيانات وزارة الخزانة الأوراق المالية إلى الدولة التي تُحفظ فيها لدى جهات حفظ الأصول أو الوسطاء، بدلاً من الدولة التي ينتمي إليها المالك النهائي. ولذلك، قد تعكس الحيازات والمشتريات المنسوبة إلى مراكز مالية مثل المملكة المتحدة وبلجيكا، جزئياً، استثمارات تعود لمستثمرين في دول أخرى.

خيارات استثمارية أوسع

حتى عندما تتخارج الأموال الآسيوية، لم تعد سندات الخزانة الأميركية بالضرورة الخيار الأول للمستثمرين.

يفضل المستثمرون الكوريون الأسهم، فيما تحولت الأموال التايوانية نحو الأسهم والودائع، وفقاً لبراد سيتسر، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية والمسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، مضيفاً: "لذلك، لم تكن بعض الدول الصديقة التي تحقق فوائض كبيرة من كبار المشترين على أساس صافي المشتريات".

يرى سيتسر أن هذا التحول جزء من اتجاه أوسع نحو نقل الأصول خارج الاحتياطيات الرسمية، حيث يُحتفظ بمزيد من الأصول الأجنبية خارج الاحتياطيات التقليدية للبنوك المركزية، وتتدفق بدلاً من ذلك عبر صناديق التقاعد والبنوك الحكومية وغيرها من المؤسسات الكبرى. ووفقاً لسيتسر، لا يعني ذلك التخلي عن الدولار، لكنه ربما يؤدي إلى انخفاض "الطلب الرسمي" على سندات الخزانة الأميركية.

ماذا يقول استراتيجيو بلومبرغ؟

يقول أندريه دي سيلفا، استراتيجي الأسواق لدى "ماركتس لايف"، "تواصل تكاليف التمويل المرتفعة بالدولار تقليص عوائد الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية، في وقت أدى فيه ارتفاع العوائد المحلية إلى تحسين الفرص الاستثمارية في السندات الحكومية اليابانية".

يمنح ارتفاع العوائد في أسواق أخرى المستثمرين خيارات إضافية أيضاً. وقال يانغ جو كيونغ، رئيس قسم الدخل الثابت العالمي لدى "كيووم أسيت مانجمنت" (Kiwoom Asset Management) الكورية، إن الشركة لا تزال تتوخى الحذر تجاه سندات الخزانة الأميركية، وترى أن السندات الحكومية اليابانية جذابة نسبياً.

أصبح لدى المستثمرين اليابانيين أيضاً مزيد من الأسباب للاحتفاظ بأموالهم داخل البلاد. فمع وصول العوائد المحلية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، تقلص العائد الإضافي الذي يمكنهم تحقيقه من الاستثمار في الخارج.

Mon, 26 2026

قال أوليفر ليفينغستون، استراتيجي العملات الأجنبية وأسعار الفائدة لمجموعة العشر لدى "بنك أوف أميركا سيكيوريتيز" (BofA Securities): "اليابان حليفة للولايات المتحدة، ولاحظنا بالفعل بعض المؤشرات على تراجع تدريجي في صفقات تجارة الفائدة"، في إشارة إلى ممارسة الاقتراض بالين بتكاليف منخفضة للاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى في أسواق أخرى.

لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تواجه نقصاً في المشترين. فقد دخل مستثمرون من القطاع الخاص، من بينهم صناديق التحوط والبنوك وصناديق الاستثمار المشتركة، لتعويض هذا التراجع، ما رفع حصتهم من الدين الفيدرالي إلى نحو 70%، بالقرب من أعلى مستوى منذ عام 1990.

لكن هؤلاء المستثمرين أكثر حساسيةً للأسعار. وبالنسبة إلى وزير الخزانة سكوت بيسنت ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، يعني ذلك أن الأسواق يمكن أن تتفاعل بقوة إذا تزايد قلق المستثمرين بشأن السياسة النقدية أو الاقتصاد أو اتساع العجز الأميركي أو الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض.

أسهمت هذه الحساسية في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، التي تُعد مرجعاً رئيسياً في السوق، إلى أكثر من 5% هذا العام. واستقرت العوائد عند نحو 5.01% حتى يوم الأربعاء في آسيا.

الدول الأقل تقارباً

اشترت الدول الأقل تقارباً مع واشنطن سندات خزانة أميركية بقيمة 17.1 مليار دولار من يناير إلى أغسطس، منهيةً بذلك أربع سنوات متتالية من صافي البيع خلال الفترة نفسها. ويعادل ذلك عُشر مشتريات الدول المتقاربة مع الولايات المتحدة.

لا تزال الصين أكبر بائع لسندات الخزانة الأميركية، تليها كوريا الجنوبية، رغم اعتقاد بعض المحللين أن بكين ربما نفذت بعض المعاملات عبر دول أخرى، من بينها كندا. وجاءت بلجيكا، التي يُعتقد أن حيازاتها تشمل بعض الحسابات الصينية، في المرتبة الثالثة. وكانت المملكة المتحدة وهونغ كونغ والهند أكبر المشترين.

Wed, 07 2026

قالت لورا كوبر، رئيسة قسم الائتمان الكلي لدى "نوفين" (Nuveen) في لندن: "يتماشى استمرار الصين في خفض حيازاتها مع اتجاه طويل الأجل نحو تنويع الاستثمارات، رغم أن تحديد الدوافع الفعلية وراء ذلك أكثر صعوبةً".

ليست هذه المرة الأولى التي تتراجع فيها مشتريات الدول المتقاربة مع الولايات المتحدة من سندات الخزانة الأميركية. فقد سجلت مبيعات كبيرة في عام 2020، عندما أدت جائحة كوفيد-19 إلى موجة عالمية من السعي للحصول على السيولة.

مع ذلك، لا تزال سوق سندات الخزانة الأميركية، البالغة قيمتها 32 تريليون دولار، بلا منافس من حيث حجمها وعمقها والسيولة المتاحة فيها والتداول على مدار الساعة تقريباً، فيما يحتفظ الدولار بمكانته بوصفه عملة الاحتياطيات المهيمنة عالمياً.

ظل المستثمرون الأجانب يمتلكون سندات خزانة أمريكية بقيمة 7.85 تريليون دولار حتى أغسطس، بالقرب من أعلى مستوى على الإطلاق، رغم تقلص حصتهم من السوق إلى أقل من الثلث، مقارنةً بذروة بلغت 52% في عام 2012.

قال روبرت تيب، رئيس قسم السندات العالمية لدى "بي جي آي إم" (PGIM): "عندما تنظر إلى البدائل، تجد أنها قليلة جداً". وأضاف: "لذلك، شهدنا إعادة توازن للمحافظ الاستثمارية وتراجعاً مستمراً في الحيازات لدى بعض الدول، لكن مستثمرين آخرين استوعبوا هذا التراجع".

لا يتخلى المستثمرون الأجانب عن الأصول الأميركية أيضاً. إذ يتحول جزء من تلك الأموال إلى الأسهم الأميركية وسندات الشركات، ما يشير إلى استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات الأميركية، حتى مع تراجع الإقبال على الدين الحكومي.

ومن المرجح أن يطالب المشترون الذين يسدون هذه الفجوة بعوائد أعلى من تلك التي كانت تقبل بها الدول الصديقة التي اعتادت تمويل واشنطن دون تعقيدات تُذكر.

قال شوكي أوموري، كبير استراتيجيي الدخل الثابت لليابان لدى "دويتشه بنك" (Deutsche Bank AG): "ستتمكن وزارة الخزانة من تمويل احتياجاتها، لكن السؤال يتعلق بالتكلفة ومدى تقلبها". وأضاف: "ما لا يمكن للأسعار استعادته هو الأموال التي اعتاد الحلفاء توفيرها بصبر ودون حساسية كبيرة تجاه الأسعار".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية