في عالم البنوك المركزية، ربما لم يكن التدقيق في هوامش الأرباح الناتجة عن تكرير النفط الخام يُعد أمراً بالغ الأهمية عند اتخاذ قرارات أسعار الفائدة. لكن ذلك كان قبل أن تبدأ أسواق الطاقة مجدداً في إطلاق إشارات قوية على الاضطراب.
وفي حين قفزت العقود الآجلة لخام برنت فوق 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، تدق أجراس إنذار أعلى بشأن أسعار أنواع الوقود المستخدمة في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع وإبقاء الشاحنات تتحرك في أنحاء العالم. وتتعرض هذه الأسعار لضغوط أكبر حتى من أسعار النفط الرئيسية، ما يهدد بإحداث تأثير أوسع نطاقاً في الاقتصاد.
خلال معظم فترة حرب إيران، استطاع محافظو البنوك المركزية تجاهل صدمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الصراع، بعدما جرى تجنب أسوأ السيناريوهات. لكن مع ارتفاع النفط مجدداً، تصعد أسعار الديزل والغاز الطبيعي بوتيرة أسرع، في ظل عدم ظهور مؤشرات تُذكر على قرب التوصل إلى حل للحرب في إيران. ويُظهر كلا الجانبين إشارات إلى أنهما ربما يستعدان لصراع طويل الأمد.
وسلط البنك المركزي الأوروبي الضوء على ارتفاع أسعار النفط والغاز باعتباره أحد المخاطر المحتملة التي قد تدفع توقعاته للتضخم إلى الارتفاع خلال الأشهر المقبلة.
هوامش التكرير تدخل حسابات البنوك المركزية
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد يوم الخميس، بعد إعلان زيادة كانت متوقعة على نطاق واسع في تكلفة الاقتراض: "لو كنت تحدثت إليكم عن هوامش التكرير قبل ستة أشهر، لما كنا نعرف حقاً ما الذي نتحدث عنه". وأضافت: "الآن، سواء سميتموه فارق التكسير أو هامش التكرير، بالنسبة إلى الوقود السائل، أصبحنا جميعاً نعرف ما المقصود".
وفي وقت سابق من الأسبوع، قدم محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي شرحاً للمشرعين البريطانيين في البرلمان بشأن اقتصاديات سوق النفط، مشيراً إلى أن هوامش التكسير -وهي العلاوات التي تحققها شركات تكرير النفط عند تحويل الخام إلى منتجات قابلة للاستهلاك مثل البنزين والديزل- تضيف مزيداً من الضغوط على الأسعار. وتتوقع الأسواق الآن زيادتين في أسعار الفائدة بحلول فبراير للمساعدة في مواجهة التضخم.
خيارات أسواق الطاقة تتقلص مع اقتراب الشتاء
تجاوزت العقود الآجلة للديزل في بعض أنحاء العالم 200 دولار للبرميل، ومع إضافة الضرائب يدفع بعض المستهلكين أكثر من 300 دولار. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر 2022، وهو العام الذي شهد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، في وقت لا تزال فيه المخزونات منخفضة قبل حلول الطقس الأكثر برودة. كما سجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً.
ولا يزال الوضع بعيداً عن سيناريوهات الكارثة التي طُرحت عندما بدأ الصراع الإيراني في نهاية فبراير. وكانت الصين أحد المحركات الرئيسية لموجة الصعود خلال الأسابيع القليلة الماضية، ويبقى أن نرى ما إذا كانت مصافي الدولة الآسيوية ستواصل نشاطها بهذا المستوى في ظل التكاليف المرتفعة.
لكن المسار العام واضح. يقول متعاملون ومنتجون إن العالم يحتاج إلى النفط مع اقتراب فصل الشتاء، في حين لا تزال طاقة التكرير محدودة، وهو ما سيواصل الضغط على تكاليف الوقود. وأدت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية إلى انخفاض صادرات البلاد من الديزل إلى مستوى قياسي، بينما لا تزال منشآت التكرير في الشرق الأوسط تتعافى من الهجمات التي تعرضت لها في المراحل الأولى من حرب إيران.
ولا تزال هناك فجوة بين التدفقات الحالية عبر مضيق هرمز ومستوياتها قبل الحرب، علماً بأن المضيق كان يستحوذ قبل اندلاعها على نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
كما بدأت الوسائل التي لجأت إليها أسواق الطاقة لتعويض اضطراب الإمدادات تنفد، إذ تتباطأ عمليات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، في وقت تزيد الصين مشترياتها من النفط وتتراجع المخزونات تدريجياً.
كذلك شن مسلحو الحوثيين في اليمن هجمات متكررة على السعودية، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط والغاز في العالم. وبعد عدة هجمات يوم الخميس، أوقفت السعودية احترازياً خط أنابيب شرق-غرب، وهو مسار رئيسي بديل لمضيق هرمز بالنسبة إلى صادراتها.
وترسل سوق النفط إشارات على اضطرابات حادة. فقد تتجاوز تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لمدة يوم واحد مليون دولار، بينما تُدفع علاوات ضخمة لتأمين الإمدادات الفورية. كما تقفز عقود المشتقات التي تتحرك عادة ببضعة سنتات في كل مرة إلى مستويات قياسية، مسجلة مكاسب بعدة دولارات خلال جلسات تداول منفردة.
وقال الشيخ خالد الصباح، العضو المنتدب للتسويق العالمي في مؤسسة البترول الكويتية، خلال مؤتمر هذا الأسبوع: "سنشهد شتاءً بالغ الصعوبة في شمال أوروبا". وأضاف: "هذه ليست سوى البداية".
أوروبا تواجه شتاءً صعباً مع تراجع مخزونات الغاز
وظل الغاز إلى حد كبير عالقاً في منطقة الخليج. ويشعر المتعاملون الأوروبيون بالقلق حيال الكميات التي يمكنهم تأمينها خلال فصل الشتاء، في ظل وجود المخزونات عند مستوى قياسي منخفض بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.
أحجمت الحكومات والشركات عن الشراء خلال الصيف، لكن بنوكاً كبرى وشركات استشارية قالت إن حجم الغاز الذي تحتاج المنطقة إلى شرائه قد يدفع الأسعار مجدداً إلى أكثر من 100 يورو لكل ميجاواط/ساعة، أي أعلى بنحو 25% من المستويات الحالية. وتؤثر أسعار الغاز المرتفعة في نهاية المطاف على الإنتاج الصناعي.
وقال إيفانغيلوس ميتيلينيوس، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة شركة "ميتلين" (Metlen) اليونانية، أكبر منتج متكامل للبوكسيت والألومينا والألمنيوم الأولي في الاتحاد الأوروبي: "إنها فترة صعبة". وأضاف: "أسعار الكهرباء تصل إلى مستويات لا تستطيع عندها الشركات غير المستعدة بشكل كافٍ إنتاج الألمنيوم".
الديزل يتحول إلى عنق زجاجة جديد
وفي أسواق الخام، بلغ المؤشر الرئيسي العالمي لأسعار البراميل الفعلية 120 دولاراً للمرة الأولى منذ يونيو. ويشير ذلك إلى أن المصافي تدفع أسعاراً مرتفعة لمعالجة أي براميل تستطيع الحصول عليها، في وقت تظل فيه أرباح إنتاج الوقود، ولا سيما الديزل، عند مستويات مرتفعة تاريخياً.
وبالفعل، تتصاعد التحذيرات المتعلقة بالديزل على وجه الخصوص. فقد أدت الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية إلى خفض أحد أكبر مصادر صادرات الديزل في العالم إلى مستويات ضئيلة للغاية.
وقالت لاغارد خلال مؤتمرها الصحفي هذا الأسبوع، حيث أشارت إلى احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بدرجة أكبر لاحتواء مخاطر التضخم: "نعلم جميعاً أن الديزل تستخدمه فئة من الفاعلين الاقتصاديين". وأضافت: "ونعلم الآن أنه أصبح عنق زجاجة إضافياً".
وخلال مؤتمر للنفط في سنغافورة هذا الأسبوع، أشار المتعاملون مراراً إلى أن أسواق الوقود العالمية تواجه مشكلات كبيرة. وفي بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا، دخلت تخفيضات ضريبية حيز التنفيذ بالفعل لحماية المستهلكين، لكن هذه الضغوط ستستمر إذا واصلت أسعار الديزل ارتفاعها.
صدمة الطاقة تعيد معضلة التضخم وتكاليف المعيشة
وقالت وكالة الطاقة الدولية يوم الجمعة إن 2026 سيشهد أكبر انخفاض في الطلب على النفط منذ جائحة كورونا، في ظل تأثير ارتفاع أسعار الديزل، على وجه الخصوص، على الاستهلاك.
وأضافت الوكالة أن المخزونات لعبت حتى الآن دوراً رئيسياً في كبح الأسعار. لكن هذه الهوامش الاحتياطية آخذة في التناقص، فيما تعمل منظومة التكرير العالمية عند أقصى حدود طاقتها. وحذرت من أنه في غياب إحراز تقدم في حرب إيران أو الحرب الروسية الأوكرانية، قد تزداد أسواق النفط شحاً.
ويجلب ذلك معه خطر شتاء قد يكون مؤلماً، واضطرار السياسيين إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف تكاليف المعيشة، في الوقت الذي ترفع فيه البنوك المركزية أسعار الفائدة. وبعيداً عن موارد الطاقة، ساعدت الهجمات على موانئ البحر الأسود في دفع أسعار الغذاء إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات.
وأعلنت المجر يوم الجمعة، على سبيل المثال، أنها ستساعد مالكي السيارات في تحمل تكاليف الوقود.
وقالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا: "هناك الكثير من المخاوف من أن ترتفع الأسعار بدرجة أكبر". وأضافت: "من المرجح أن تكون هناك دعوات للحكومات للتدخل وحماية المستهلكين، لكن الأمر يعتمد بالطبع على الوضع المالي لكل دولة".





