السبت, 12 سبتمبر 2026|29 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأيام الأخيرة موجة ارتفاعات حادة أعادت الأسعار إلى مستويات لم تُسجل منذ منتصف مايو 2026، مدفوعة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتفاقم اضطرابات الإمدادات عبر الممرات البحرية الحيوية. فبعد فترة من التذبذب النسبي عادت الأسعار إلى الصعود بقوة مع تجدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز والبحر الأحمر وتوسع نطاق التهديدات ليشمل منشآت طاقة سعودية، ما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير مخاطر استمرار الصراع لفترة أطول.

في تعاملات الأسبوع الماضي سجل خام برنت مكاسب أسبوعية بلغت نحو 13%، وهي الأكبر منذ منتصف يوليو، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة مماثلة تقريباً. وصلت الأسعار في ذروتها خلال الأسبوع إلى أكثر من 108 دولارات للبرميل لبرنت وأكثر من 103 دولارات لخام غرب تكساس، قبل أن تشهد بعض التصحيح في نهاية الأسبوع.

وفي اليومين الماضيين وصلت أسعار النفط لمستوى الثلاث خانات وقفزت فوق حاجز الـ100 دولار، وهو المستوى الذي لم ينتهِ عنده أسبوع تداولي منذ نحو أربعة أشهر. هذا الارتفاع الحاد يعكس تحولاً في معنويات السوق من توقع تهدئة نسبية إلى تسعير سيناريو اضطراب إمدادات مطول.

تعود جذور هذه الموجة بشكل أساسي إلى استمرار الجمود في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الأعمال العدائية التي اندلعت في وقت سابق من العام. فقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً ملحوظاً، حيث أعلنت إيران استهداف عشر سفن قرب مضيق هرمز رداً على ضربات أمريكية طالت ناقلات إيرانية، أما العامل الأهم فهو تردد الأنباء عن توسيع جماعة الحوثي المدعومة من إيران سيطرتها على مناطق ساحلية يمنية قرب مضيق باب المندب، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة بريم.

لقد أدت هجمات على منشآت مدنية ومنشآت نفطية في جنوب السعودية إلى تزايد قلق الأسواق على معدلات فرص التصعيد في الدولة الرئيسية المنتجة للنفط.

‎لم تقتصر الضغوط على جانب العرض الجيوسياسي فحسب، بل ترافقت مع مؤشرات على تشديد السوق فعلياً. فقد سجلت المخزونات العالمية انخفاضاً ملحوظاً، حيث أشارت تقديرات إلى سحب نحو 120 مليون برميل خلال أسبوعين فقط، مدعومة بعودة الصين إلى شراء كميات أكبر من النفط الخام، تُقدر بنحو 10 ملايين برميل .يومياً في سبتمبر مقارنة بمستويات منخفضة سُجلت في يونيو

وفي الوقت نفسه، شهدت أسواق المنتجات المكررة، وخاصة الديزل، ضغوطاً أشد، مع تجاوز أسعار الديزل في الولايات المتحدة حاجز 6 دولارات للجالون للمرة الأولى، ما دفع هوامش التكرير إلى مستويات قياسية في حوض الأطلسي. هذا التفاوت بين أسعار الخام والمنتجات يعكس نقصاً حاداً في المعروض من المشتقات في ظل اضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.

على صعيد السياسات الإنتاجية، حافظ تحالف أوبك+ على سياسته دون تغيير لشهر أكتوبر، بعد سلسلة من الزيادات الرمزية السابقة التي استكملت إلغاء جزء من التخفيضات الطوعية السابقة. ومع ذلك، ظل الإنتاج الفعلي أقل بكثير من المستهدفات بسبب تأثيرات الصراع، حيث انخفض إنتاج أوبك بنحو 640 ألف برميل يومياً في أغسطس. وفي تقريرها الشهري، خفضت المنظمة توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2026 إلى 380 ألف برميل يومياً فقط، في خامس تعديل تنازلي على التوالي، مشيرة إلى تأثير الأسعار المرتفعة في الأسواق.

تعكس هذه التطورات نقطة تحول في سوق النفط، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على علاوة مخاطر جيوسياسية مؤقتة، بل أصبح مرتبطاً بتقييم أعمق لمدة وشدة الاضطرابات. لقد وصلت السوق إلى “نقطة انعطاف حرجة" مع احتمال استمرار الاتجاه الصعودي إذا استمرت الهجمات وامتدت الاضطرابات مع توقعات تطرح سيناريوهات تصل فيها الأسعار إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل في حال تفاقم التهديدات للشحن في المضائق الرئيسية.

وفي المقابل، تبقى أي أنباء عن تخفيض التصعيد رغم استبعاده حالياً قادرة على إحداث تصحيحات سعرية سريعة، كما حدث جزئياً في نهاية الأسبوع مع تقارير عن محاولات إقليمية لترتيب ترتيبات مؤقتة للملاحة في هرمز.

في المحصلة، تمثل موجة الارتفاعات الأخيرة تذكيراً بمدى هشاشة توازن العرض والطلب العالمي أمام التوترات في منطقة تنتج وتصدر نسبة كبيرة من النفط العالمي. ومع استمرار انخفاض المخزونات وعودة الطلب الصيني وتشديد أسواق المنتجات المكررة تبدو الضغوط الصعودية حاضرة في الأمد القصير، ما لم يطرأ تحول جوهري في المشهد الجيوسياسي.

خبير استراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية