الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بينما كان روبرت هال يقضي شبابه في الستينيات داخل أروقة جامعة كاليفورنيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتطوير برمجيات تتنبأ بالركود الاقتصادي، كان زميله الأصغر سنًا مايكل وودفورد ينتقل في شبابه المبكر خلال السبعينيات بين مقاعد دراسة الأرقام في شيكاغو وقاعات القانون في جامعة بيل ورغم اختلاف النشأة والفارق الزمني بينهما، إلا أن أبحاث الاثنين اجتمعت لاحقًا في معهد "إم آي تي" العريق لينالا معا جائزة نوبل في الاقتصاد 2026 بعد أن نجحا في صياغة معادلة استراتيجية واحدة غيرت من عقيدة المصارف المركزية وأثبتت أن التفكير في الغد والتوقعات المستقبلية هما الموجهان الحقيقيان لما ينفقه المستهلك اليوم.

ولد روبرت هال 1943 في كاليفورنيا وتعلم في مدارسها الابتدائية قبل أن ينتقل إلى لوس أنجلوس ليظهر فيها شغفًا مبكرًا بالعلوم التطبيقية والبحث المنظم قرر على إثره التخصص في الاقتصاد، وفي جامعة كاليفورنيا نال درجة البكالوريوس 1964 ثم درجة الدكتوراه وهو في الرابعة والعشرين من العمر ليكون ذلك كافيًا أن يقبل في معهد "إم آي تي" تحت إشراف الاقتصادي الأسطوري روبرت سولو.

Mon, 02 2026

في محرابه الجديد احتك "هال" بنظريته أكثر قبل أن يقود ثورة فكرية في جامعة ستانفورد أثناء عمله بها للتدريس، ففي الوقت التي رسخت النظريات الكلاسيكية أن إنفاق الأسرة تحركه معدلات دخلها الفوري والحالي فقط أثبت روبرت في 1978 أن عقلية المستهلك أكثر ذكاء وتوجها نحو الغد، ومن خلال أبحاثه في المسار العشوائي للاستهلاك أوضح أن المواطن البسيط يضبط وتيرة إنفاقه اليومي ليس بناء على ما في جيبه اللحظي بل استنادًا إلى توقعاته الشخصية وتقييمه لدخله المستقبلي ومدى أمانه الوظيفي والائتماني على المدى الطويل وهو ما يفسر سبب استمرار مستوى معيشى مستقر لبعض الأسر حتى لو تعرضت لانتكاسة مالية مؤقتة.

على الضفة الأخرى كان البروفيسور مايكل وودفورد المولود في 1955 في شيكاغو حيث نشأ وتعلم في بيئة قريبة من مراكز التفكير المالي ليقوده شغفه المبكر بالأرقام والهياكل التنظيمية إلى التخرج في جامعة شيكاغو قبل أن يقرر دراسة القانون وينال شهادة الحقوق من جامعة بيل 1980 ثم يعود مجددًا لعشق الاقتصاد وينال دكتوراه الفلسفة ومن فوق كرسيه الأكاديمي للاقتصاد السياسي في جامعة كولومبيا قرر تحويل نظريات "هال" إلى إطار عملي ورياضي متكامل تتبعه البنوك المركزية الكبرى.

خطة وودفورد اعتمدت في الأساس على فك شفرة تأثير قرارات أسعار الفائدة في حياة المواطنين وقد توصل إلى أن البنوك المركزية سواء رفعت الفائدة أو خفضتها فهي لا تؤثر بقرارها اللحظي في الناس فحسب بل تزيد من توقعاتهم نحو المستقبل وهو ما يعرف بـ"التوجيه المستقبلي" فإذا وثقت الأسر بالمسار الاقتصادي القادم تتشكل مرونة استهلاكية تحمي قدراتها الشرائية وتكبح جماح التضخم وإذا لم تثق يحدث العكس بصورة تلقائية.

Mon, 02 2026

اللقاء الأول بين العالمين المتوجين بالجائزة لم يكن مباشرا كما يتوقع البعض بل سعى إليه مايكل وودفورد الذي وجه في أطروحة الدكتوراه الخاصة به رسالة شكر إلى روبرت هال باعتباره أستاذا ساعده على ضبط بوصلته البحثية وتأسيسًا على ذلك اجتمع الاثنان لاحقًا في المكتب الوطني للأبحاث وعملا تحت مظلته، وكان أهم ما أنجزاه تحويل أبحاثهما المنفصلة إلى حوار علمي متكامل حيث أخذ وودفورد قطع المكعبات الرياضية التي صاغها هال عن سلوك استهلاك الأسرة على جهة الطلب ودمجها مع أبحاثه عن جهة العرض وتحديد أسعار الشركات.

5565656656556

نتيجة هذا التعاون بات هناك هيكل معتمد لدى البنوك المركزية الكبرى ظهر تطبيقه على أرض الواقع 1997 حين قرر بنك الاحتياطي النيوزيلندي وبنك إنجلترا تطبيق أفكار هال وودفورد خاصة أن صانعي السياسات آنذاك أدركوا أن رفع أو خفض الفائدة لن يجدي دون توجيه توقعات المواطنين فبدأوا لأول مرة في نشر تقارير دورية تشرح للناس خطط البنوك والمسار المتوقع للتضخم وذلك لبناء جسور الثقة مع المستهلك قبل تحريك الأموال.

في 2003 وصلت تلك الأفكار إلى ذروتها التطبيقية حين تبنى البنك المركزي الأوروبي والمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معادلات هال وودفورد لتصبح الأساس الذي يبنى عليه تحديد أسعار الفائدة بدلًا من الأساليب القديمة التي كانت تقيس الاقتصاد كآلة جامدة وحين ضربت الأزمة المالية الأسواق في 2008 كان الاختبار الأكبر لهذا الهيكل الذي أثبت مرونته لدرجة أن الفيدرالي الأمريكي تبناه بشكل صريح حين أعلن أنه سيبقي الفائدة منخفضة حتى منتصف 2013 ليضمن توجيه المودعين المستقبلي.

Mon, 02 2026

رغم أهمية تلك النظريات التي غيرت من عقيدة البنوك المركزية إلا أن عام 2026 مثل فارقًا رصدته المصارف الدولية التي عانت خلال العام عدة صدمات أبرزها أزمة مضيق هرمز واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية ونتج عن ذلك توترات ضخمة كانت ستتفاقم آثارها لولا "هال ووفدورد" كما أشار بذلك البنك المركزي الأوروبي الذي أوضح أن الاعتماد على أدوات التوجيه المستقبلي خفض بشكل حاد من تقلبات أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الأسواق المالية وأبقى توقعات التضخم لدى الأسر تحت السيطرة خلال أزمات الطاقة الحادة، مرجعًا ذلك إلى ثقة المواطن بأن الارتفاع مؤقت والبنك المركزي يمتلك خطة واضحة للغد وبذلك تمت المحافظة على مرونة استهلاكه اليومي دون هلع ما حمى ملايين الوظائف ومنع العالم من السقوط في ركود تاريخي يشبه الكساد الكبير.

تلك المعطيات كانت أمام الأكاديمية الملكية السويدية وهي تمنح العالمين الاثنين جائزة نوبل للاقتصاد في هذا العالم بالتحديد وهذا لم يكن مجرد تكريم تاريخي بل اعترافًا بأن أبحاثهما كانت درع الحماية الحقيقي الذي أنقذ العالم من الانهيار خلال أعتى صدمات الألفية الجديدة، فبينما كان المواطن الغربي في العشرينيات يهرول لتخزين طعامه أو سحب أمواله من البنوك بات اليوم قادرا على قراءة خطط المصارف واتخاذ القرار المناسب في ضوء المعلومات التي تتوفر له.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية