الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عشية الانتخابات التي ستحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيحتفظ بالسيطرة على الكونجرس، ينصب اهتمام الناخبين على الاقتصاد، إذ تشكل الأسعار المرتفعة والآخذة في التزايد قضية رئيسية، في حين يحمل كثيرون سياسات الرئيس، لا سيما الرسوم الجمركية والحرب على إيران، مسؤولية التضخم المستمر.

باختصار، يملأ التشاؤم الأمريكيين. غير أن الأرقام تروي قصة أكثر تعقيدا. فبالنسبة للجوانب الإيجابية، يظل معدل البطالة منخفضا بمقاييس تاريخية، وعدد العاملين أكثر من أي وقت مضى، والنمو الاقتصادي الإجمالي قوي، وكان ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي - حتى وقت قريب - يدفع سوق الأسهم إلى الارتفاع، مما يعزز مدخرات التقاعد لملايين الأشخاص، بحسب "رويترز".

وفي المقابل، يأتي التضخم ليحد من هذا الزخم. فرغم أنه أقل بكثير من مستوياته قبل بضع سنوات فقط، فإنه لا يزال مرتفعا وحاضرا في الحياة اليومية بما يكفي لأن يشعر الناس بوطأته في كل مرة يملأون فيها خزانات سياراتهم بالوقود أو يسددون فاتورة أو يطلبون وجبة.

ورغم أن اسم ترمب ليس على قوائم المرشحين في انتخابات الثالث من نوفمبر، يضع الناخبون سجله الاقتصادي في الحسبان وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع. والمزاج العام متشكك، إن لم يكن شديد الاستياء.

 اقتصاد يثير التذمر

تظهر استطلاعات المستهلكين أن المزاج العام تدهور عموما منذ بدء ولاية ترمب الثانية في يناير 2025، وإن كانت الصورة لا تخلو من بعض التباين، إذ تحسن في أكتوبر تشرين الأول أحد المقاييس التي تحظى بمتابعة واسعة للثقة، وينشره مجلس المؤتمرات الأمريكي، في حين سجل مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيجان مستوى يقترب من أدنى مستوياته على الإطلاق.

وقال برايان جاكوبسن، كبير خبراء الاقتصاد في (أنيكس ويلث مانجمنت)، إن مؤشر الثقة يتتبع الاقتصاد الكلي، بينما مؤشر المعنويات "شخصي بقدر أكبر"، إذ يسأل الناس عن أوضاعهم المالية ومدى قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة. وأضاف "المعنويات هي المحرك الأكبر لنتائج الانتخابات، لكن الثقة هي المحرك الأكبر للأسواق".

وتستند إحدى الحجج الداعمة للثقة في الاقتصاد الكلي إلى وضع سوق العمل. فقد لا توظف الشركات كثيرا، ويواجه الخريجون الجدد صعوبة في العثور على وظائف، لكن الشركات لا تنفذ أيضا عمليات تسريح جماعي. وطلبات الحصول على إعانات البطالة الأسبوعية قريبة من أدنى مستوى لها في 57 عاما. وبلغ معدل البطالة 4.2 % في سبتمبر، ولم يسجل مستوى أعلى من 4.5 % على مدى خمس سنوات متتالية، وهي أطول فترة مسجلة.

وتشعر الأسر بذلك. ويقيس مجلس المؤتمرات الفجوة بين المستهلكين الذين يقولون إن الوظائف متوافرة بكثرة وأولئك الذين يقولون إنه يصعب الحصول عليها، واتسعت تلك الفجوة الشهر الماضي، مما يشير إلى تحسن التوقعات بشأن الوظائف.

وهناك أيضا الدفعة الناتجة عن مكاسب سوق الأسهم التي ينبغي أخذها في الاعتبار. وسجلت مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية عشرات المستويات القياسية المرتفعة هذا العام، كما يذكر ترمب كثيرا الحاضرين في تجمعاته. ويمتلك معظم الأمريكيين بعض الأسهم، وإن كانت حيازات الأسر ذات الدخل المرتفع أكبر بكثير مقارنة بغيرها.

وساعد إنفاق الأسر ذات الدخل المرتفع، المدعوم بارتفاع قيمة حيازاتها من الأسهم، في دعم إنفاق المستهلكين، الذي كان محركا قويا للنمو الاقتصادي. وأظهرت بيانات الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الأمريكي نما بوتيرة سنوية بلغت 3.4 % في الربع السابق، وهو أقوى أداء له هذا العام.

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة (سي.إن.بي.سي) الأسبوع الماضي "قد تكون استطلاعات المستهلكين قاتمة بعض الشيء، لكن سلوك المستهلك قوي للغاية".

وأضاف "أداء الشركات قوي للغاية بالفعل، وأعتقد أن لدينا مزيجا جيدا جدا من السياسات الضريبية والتجارية وسياسات الطاقة والسياسة التنظيمية".

ويُعد الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي محركا رئيسا للكثير من المكاسب في سوق الأسهم والاقتصاد الحقيقي، إذ سجلت استثمارات الشركات نموا بمعدل سنوي بلغ 12.7 بالمئة خلال الربع المنصرم.

"إعادة تقييم حادة"

مع ذلك، يحذر بعض الاقتصاديين من أوجه ضعف محتملة، وربما بدأت بوادرها في الظهور بالفعل.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، عززت موجة من نتائج أرباح الشركات، من شركات مثل أمازون.كوم وإنتل، المخاوف المتزايدة بشأن استدامة طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، مما دفع مؤشرات مثل ناسداك المركب إلى الانخفاض الحاد.

وكتب تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في (أبولو جلوبال مانجمنت)، في مذكرة منتصف أكتوبر "قد تؤدي إعادة تقييم حادة لتوقعات الذكاء الاصطناعي إلى تقويض ثقة الشركات، وتقليص الإنفاق الرأسمالي، والضغط على نمو الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تدفع فيه زيادة أسعار النفط والرسوم الجمركية وتشديد قيود الهجرة التضخم إلى الارتفاع، مما يزيد خطر الدخول في حالة ركود تضخمي يتباطأ فيها النمو حتى مع استمرار ضغوط الأسعار".

وبصرف النظر عن مثل هذا السيناريو القاتم، سيقر أي اقتصادي أو مسؤول في مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) بأن الإحباط من التضخم يتصدر اهتمامات كثير من الأسر. ورغم تباطؤه منذ ذروته في 2022، يظل التضخم أعلى بكثير من المعدل المستهدف البالغ 2 %، والذي يربطه مجلس الاحتياطي بتحقيق مهمته المتمثلة في استقرار الأسعار.

وخلال معظم فترة ولاية ترمب الثانية في البيت الأبيض، كانت الأجور تنمو بوتيرة أسرع من الأسعار، مما يعني أن أجور العاملين كانت تكفي لشراء الكمية نفسها من السلع والخدمات التي كانوا يشترونها من قبل، أو أكثر.

وتغير ذلك الوضع في وقت سابق من هذا العام بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في ما تحول إلى حرب مستمرة منذ 8 أشهر تسببت في رفع أسعار الوقود عالميا وساهمت في تسارع الأسعار على نطاق أوسع. ويقول صناع السياسات في مجلس الاحتياطي واقتصاديون إن الطلب على الذكاء الاصطناعي يساهم أيضا في تغذية التضخم، في حين بدأ نمو الأجور في التباطؤ.

وتظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن أسعار المستهلكين ومتوسط الأجر في الساعة ارتفعا كلاهما بنحو 5.5 % منذ يناير 2025. والخلاصة هي أنه من منظور القوة الشرائية، لا العمال أسوأ حالا، ولا هم أفضل حالا، مما كانوا عليه عندما تولى ترامب منصبه في يناير 2025.

ورفع البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة في سبتمبر، ومن المتوقع أن يزيد تكاليف الاقتراض مرة أخرى في ديسمبر، ما يوفر ما يسميه رئيس مجلس الاحتياطي كيفن وورش "دواء نقديا" لخفض التضخم من دون الحاجة إلى "عرقلة الاقتصاد وطرد الناس من وظائفهم".

كما ارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل، مما زاد من الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة التي يقول الناخبون إنها تثقل كاهلهم.

وأصبح شراء المنازل أمرا بعيد المنال بالنسبة لكثير من الناس نتيجة تضافر عوامل من بينها ارتفاع معدلات الفائدة على قروض الرهن العقاري لأجل 30 عاما لتتجاوز 7 %، ونقص المعروض من المساكن الذي رفع أسعارها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية