الاثنين, 24 أغسطس 2026|10 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

ينتظر الاقتصاد الإيراني المنهك غدا الاثنين "أشد عقوبات في التاريخ" تشمل ملاحقة شركاء طهران التجاريين.

من المقرر أن يعقد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مؤتمرا صحفيا للإعلان رسميا عن تفاصيل العقوبات التي ستفرضها واشنطن، حيث ستنقل إدارة الرئيس دونالد ترمب بعد 6 أشهر من المواجهة العسكرية نقل معركتها إلى الاقتصاد، وذلك في رهان على أن يؤدي تشديد الحصار وخنق صادرات النفط وملاحقة شركاء طهران التجاريين إلى دفعها نحو اتفاق ينهي الحرب، بعدما أخفقت الضربات العسكرية في انتزاع تنازلات منها.

لكن هذه الإستراتيجية تفتح في المقابل بابا لمواجهة أكثر تعقيداً، إذ تراهن إيران في مواجهة العقوبات على أوراق لرفع كلفة الضغط على واشنطن والاقتصاد العالمي، في مقدمتها مضيق هرمز ومحاولة تعطيل منشآت الطاقة في الخليج، لكن دول مجلس التعاون الخليجي في حياد ولديها أيضا تاريخ من التعامل مع الأزمات وكيفية تجاوزها.

x

Thu, 09 2026

من القنابل إلى خنق مصادر الإيرادات

بعد نصف عام من الحرب التي اندلعت بهجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تسعى واشنطن إلى تغيير أدوات المواجهة، بعدما أظهرت طهران قدرة على تحمل ضربات استهدفت آلاف المواقع، إلى جانب العقوبات والحصار البحري.

أشار بيسنت إلى أن الانتقال إلى الحملة الاقتصادية يعني على الأرجح عدم العودة إلى العمليات العسكرية الأمريكية واسعة النطاق، في مؤشر إلى أن إدارة ترمب تراهن حالياً على الوقت واستنزاف الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع المواجهة المباشرة.

لكن نجاح هذه الإستراتيجية يواجه معضلة رئيسية، إذ يحتفظ الحرس الثوري الإيراني بقدرات عسكرية تمكنه من الرد على أي محاولة لتشديد الخناق الاقتصادي، سواء عبر استهداف مصالح أمريكية أو منشآت حيوية في الخليج، أو من خلال إبقاء الضغوط على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

استخدمت إيران خلال الحرب مسيرات "شاهد" والصواريخ الباليستية لاستهداف قواعد أمريكية ومواقع مدنية وبنى تحتية للمياه والكهرباء في المنطقة، فيما أدى التعطيل شبه الكامل للملاحة عبر مضيق هرمز إلى رفع أسعار الطاقة عالمياً.

Mon, 15 2026

طهران : العقوبات الجديدة دليل "يأس"

قبيل إعلان الحزمة الأمريكية الجديدة، رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التهديدات، معتبراً أن عودة واشنطن إلى العقوبات بعد العمليات العسكرية تكشف عن فشل إستراتيجيتها.

قال عراقجي إن "انتقالهم من العمليات العسكرية إلى طرح الخطط القديمة نفسها يظهر أنهم في حالة يأس"، مضيفاً أن العقوبات والحصار والتحركات العسكرية السابقة لم تنجح في دفع إيران إلى التراجع.

أكد أن طهران لن تدخل في مفاوضات تحت الضغط، داعياً الولايات المتحدة إلى التعامل معها باحترام للوصول إلى ما وصفه بـ"حل قائم على العدالة والشرف".

يعكس الموقف الإيراني استمرار حالة التحدي رغم الخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدتها البلاد منذ بداية الحرب، إذ قتل آلاف الأشخاص في الغارات الجوية، فيما تعرضت البنية التحتية الإيرانية لضربات متكررة.

اقتصاد تحت الحصار وتضخم يتجاوز 80 %

على الجانب الآخر، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الضغط الأمريكي بدأ يترك آثاراً ثقيلة على الاقتصاد الإيراني، مهدداً بدفع البلاد نحو واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية خلال عقود.

فمنذ اندلاع الحرب، تراجعت القوة الشرائية للإيرانيين مع تجاوز التضخم مستوى 80 %، فيما فقدت العملة الإيرانية نحو 30 % من قيمتها منذ بداية العام، بعد أن كان انهيار الريال قد أشعل احتجاجات واسعة حتى قبل اندلاع المواجهة العسكرية.

الأكثر تأثيرا أن محافظ البنك المركزي الإيراني قال إن صادرات النفط "توقفت فعلياً" نتيجة الحصار الأمريكي، ما يعني حرمان الحكومة من مصدرها الرئيسي للعملات الأجنبية والإيرادات.

كان صندوق النقد الدولي قد توقع في أبريل انكماش الاقتصاد الإيراني 6.1 % خلال العام الجاري، في أسوأ أداء اقتصادي للبلاد منذ عقود.

مع ذلك، يبقى السؤال حول المدة التي يحتاج إليها هذا الضغط الاقتصادي كي يتحول إلى تنازلات سياسية، خصوصاً أن النظام الإيراني سبق أن أظهر قدرة على تحمل مستويات مرتفعة من العقوبات والعزلة الاقتصادية.

Mon, 15 2026

الصين في قلب المعركة الاقتصادية

تبرز الصين باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، إذ تستورد بكين أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرا، وفق بيانات 2025 الصادرة عن شركة "كبلر" للتحليلات.

حذر ترمب من "عواقب اقتصادية" ستطال أي دولة تقدم "أي نوع من الدعم الحيوي لإيران"، فيما دعا بيسنت بكين إلى التعاون مع واشنطن في تشديد الخناق على طهران.

لكن استهداف الصين بعقوبات مباشرة أو ثانوية قد يفتح جبهة اقتصادية أوسع ويؤدي إلى نتائج عكسية، في وقت دعت فيه بكين إلى حل الأزمة عبر المسار الدبلوماسي.

يرى محللون أن استهداف كيانات أصغر تتعامل مع إيران في العراق أو تركيا أو الإمارات لن يكون كافيا لإحداث تحول جذري في موقف طهران، ما يجعل قدرة واشنطن على تعطيل التدفقات التجارية والنفطية المرتبطة بالصين عاملاً حاسماً في نجاح الحملة.

x

هرمز ورقة إيران لرفع تكلفة العقوبات

في المقابل، تحتفظ طهران بورقة شديدة الحساسية تتمثل في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات لشحنات الطاقة العالمية.

أدى رفض إيران السماح لناقلات النفط غير المصرح لها بالعبور إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن في المضيق، وأسهم ذلك في ارتفاع أسعار النفط العالمية، مانحاً طهران وسيلة لتحويل الضغوط المفروضة عليها إلى تكلفة تتحملها الأسواق الدولية والدول المستوردة للطاقة.

قد تلجأ إيران، إذا اشتد أثر العقوبات، إلى تصعيد عسكري جديد في الخليج أو استهداف منشآت الطاقة بهدف دفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى وزيادة تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

قال نيت سوانسون، الزميل الأول في "مجلس الأطلسي" والمسؤول السابق عن ملفات إيران في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي، إن نجاح العقوبات نفسها قد يكون سبباً في التصعيد، إذ "إذا كانت هذه الإجراءات فعالة فعلاً، فسترد إيران في مرحلة ما، وببساطة لن يكون أمامها بديل آخر".

يتفق معه كريس كينيدي، مسؤول السياسات الاقتصادية في "بلومبرغ إيكونوميكس"، الذي يرى أن نجاح حملة الضغط الجديدة، إن تحقق، قد يقود في مرحلته الأولى إلى عمل عسكري إيراني بدلاً من الاستسلام.

سباق بين انهيار الاقتصاد وصبر واشنطن

في الداخل الإيراني، بدأت تظهر إشارات إلى تباين في المواقف بشأن استمرار الحرب. فقد دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أن صلاحياته تتركز بدرجة كبيرة في الملفات الاقتصادية الداخلية، فيما تتمسك قيادات عسكرية وسياسية متشددة بمواصلة القتال، معتبرة أن إيران لا تزال تمتلك أوراق ضغط كافية.

يرى ديفيد شينكر، الدبلوماسي الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط خلال ولاية ترمب الأولى، أن العقوبات الجديدة إلى جانب استمرار الحصار البحري يمكن أن تدفع إيران في نهاية المطاف للعودة إلى المسار الدبلوماسي.

لكن تحقيق ذلك قد يحتاج إلى نحو ستة أشهر حتى تظهر التداعيات الاقتصادية بصورة كبيرة، ما يضع صبر إدارة ترمب أمام اختبار جديد.

هكذا تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة مختلفة عنوانها الاقتصاد، لكن انتقال واشنطن من القوة العسكرية إلى العقوبات لا يعني بالضرورة انخفاض مخاطر الحرب. فكلما نجحت الولايات المتحدة في خنق الإيرادات الإيرانية، ازدادت احتمالات استخدام طهران ما تبقى لديها من أوراق عسكرية واقتصادية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

بين رهان واشنطن على أن يدفع تدهور الاقتصاد إيران إلى طاولة المفاوضات، ورهان طهران على أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المواجهة سيبددان صبر ترمب، تتحول المعركة إلى سباق تحمل قد لا يحسمه حجم العقوبات وحده، بل قدرة كل طرف على تحمل كلفتها لفترة أطول.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية