الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

استهدفت ميليشيات الحوثي خلال الساعات الماضية مسجد في منطقة جازان وألحقت به أضرارا مادية لتضيف إلى سجلها الحافل بالجرائم الإرهابية جريمة جديدة تخطت بها القوانين والمواثيق الدولية لتصل إلى انتهاك حرمة بيوت الله، في خطوة كشفت زيف إدعاءات تلك الميليشيا التي اتخذت من الدين ستارًا لتبرير خطاياها ودورها الوظيفي في خدمة أجندات إقليمية.

تاريخيًا كان استهداف المقدسات الدينية صفة ملازمة للقوى الظلامية وأبرزهم المغول في القرن الـ13 الميلادي، خاصة حين هاجموا بغداد في 1258 ميلاديا إذ يكشف المؤرخ ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" أن التتار استباحوا العاصمة العراقية وخربوا كل جوامعها الكبرى مثل جامع الخليفة ومسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني، ووصل عدوانهم بتحويل ساحات بعض المساجد إلى مرابط لخيولهم، كذلك كرروا تلك الجرائم في بلاد أخرى كسوريا ليسنوا تلك السنة التي سار على دربها الميليشيات البربرية لقرون طويلة.

من القوات الحكومية في اليمن

Sun, 13 2026

بعد قرن ونصف طور "تيمورلينك" تلك الجرائم حين أعلن نفسه مسلمًا ليتخذ من الدين ستارًا لما فعلته ميليشياته لاحقًا، حيث تبنى نظرية تأسيس دولة يستلزم تدمير المدن تمامًا وانطلاقًا من ذلك حين دخلت عصابته دمشق عام 1401 لم تتورع عن إضرام النيران في مباني المدينة خاصة الجامع الأموي الكبير الذي كان يعد درة العمارة الإسلامية آنذاك، فتهدمت أجزاء واسعة من جدرانه وسقطت سقوفه المحترقة فوق رؤوس آلاف المدنيين الأبرياء الذين احتموا بقدسيته ظنًا منهم أن الغزاة سيرعون حرمة بيوت الله.

عكس الشائع لم يكن تنظيم داعش هو من أعاد تلك الممارسات تحت ستار الدين، فالوقائع تكشف أن الأخير تعلم هذا النهج من جماعة الحوثي التي شنت حرب ضد الدولة اليمنية في الفترة من 2004 – 2010 وفي تلك الأثناء وتحديدًا في مايو 2008 شنت الجماعة الإرهابية هجوم صاروخي استهدف جامع بن سلمان بمدينة صعدة عقب صلاة الجمعة ما أسفر عن مقتل 18 شخصًا وإصابة 45 آخرين من المصلين لتدشن الميليشيا باكورة إرهابها الممنهج ضد دور العبادة وتؤكد أن قصف المساجد وتفجيرها هو تكتيك متأصل في نشأتها وليس مجرد رد فعل سياسي عابر أو خطأ عسكري.

بعد 2011 ومع انتقال ميليشيا الحوثي من مرحلة التمرد المحلي إلى محاولة فرض السيطرة العسكرية وتوسيع رقعة نفوذها، تطورت هذه الجرائم لتصبح أداة رئيسية في تصفية المخالفين، وتجلت هذه الوحشية بوضوح حينما فرضت عصابات الحوثيين حصارًا استمر لأشهر على منطقة دماج في صعدة أواخر 2013، ولم يكتفوا بقطع الغذاء والدواء عن المدنيين بل صوبوا مدافعهم وصواريخ الكاتيوشا نحو مسجد ومركز دار الحديث الشهير لتنتهي فصول تلك المأساة بقصف المسجد وتفجيره وتهجير ألوف الطلاب والسكان قسريًا.

Wed, 22 2026

في السنوات اللاحقة واصل الحوثيين هذا النهج وفي 2017 وجههوا صواريخهم إلى أحد المساجد بمديرية صرواح بمحافظة مأرب ما أسفر عن مقتل 26 مدنيًا وإصابة المئات خاصة أن الاستهداف جاء خلال أداء صلاة الجمعة، كما تكررت تلك الجريمة في جامع أهل السنة بمديرية الجوبة بالوقت نفسه في ترسيخ لانتهاك حرمة الأعيان الدينية.

لم تقتصر التفجيرات الحوثية عند مساجد اليمن بل انتقلت لتطول بيوت الله في دول أخرى خاصة المناطق الحدودية والجنوبية للمملكة ففي الفترة من 2018 حتى 2021 سقطت بعض المقذوفات والمسيرات على مساجد في بعض مدن نجران والقرى الملاصقة بها ما أوقع عدة أضرار مادية وبشرية وهو ما وثقته تقارير الدفاع المدني السعودي مرارًا باعتباره استهدافًا ممنهجًا للأعيان المدنية وخرقًا متواصلًا لقواعد الأمن والسلامة في المناطق الآمن.

العدوى الحوثية استنسختها تنظيمات تابعة للمحور الإقليمي نفسه وأبرزها الميليشيات العراقية التي تلقت ذات التدريبات وتبنت الأسلوب نفسه لكنها أقدمت على ما لم يقدم عليه أحد من قبل بتوجيه طائرات مسيرة نحو محيط المدينة المنورة، مدينة رسول الله التي تحتل قدسية خاصة في قلب كل مسلم وحتى غير المسلمين، لتؤكد بتلك الجريمة إنهم تخطوا كل الخطوط الحمراء من أجل تحقيق دورهم الوظيفي.

المتحدث الرسمي لقوات تحالف دعم الشرعية في اليمن اللواء ركن تركي المالكي

Tue, 08 2026

على الجانب الآخر لم يترك المجتمع الدولي تلك الميليشيات لوازعها الديني بل سعى إلى وضع قواعد تحمي الأماكن المقدسة فكانت اتفاقية لاهاي 1954 التي نصت على عدم الاقتراب من الأعيان الدينية، ثم جاءت اتفاقية جنيف 1977 لتحدد أكثر في موادها الحظر المطلق لارتكاب أي أعمال عدائية موجهة ضد أماكن العبادة التي تشكل التراث الروحي للشعوب.

ولم يقف القانون عند حد الحظر بل أقرت المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عقوبات جنائية مغلظة تصنف تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية باعتباره جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، ويخضع مرتكبيها وقادتهم للملاحقة والمحاكمة الدولية وعقوبات تصل إلى السجن المؤبد فضلًا عن الملاحقة بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يفرض عقوبات وتدابير رادعة على الكيانات الإرهابية.

إضافة إلى أن المملكة قادرة على ردع أي معتدي وحماية حدودها كما يشهد بذلك التاريخ على مدار القرن الماضي، وبعيدًا عن القوانين التي تورط في اختراقها جماعة الحوثي منذ أن ظهرت، تبقى الحقيقة الأهم هي انكشافهم أمام المسلمين جميعًا هم ومن يوظفهم أنهم يتسترون بالإسلام، لكن على أرض الواقع يدمرون بيوته ويستهدفون بيوت الله. 

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية