الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

لم يكن اختيار مضيق باب المندب مسرحا لأحداث فيلم "كابتن فيلبس" مجرد سيناريو سينمائي هوليوودي بل تجسيدا لما يمكن أن تفعله الفوضى في حركة الملاحة العالمية، فبينما كان القبطان توم هانكس يبحر باحثا عن ممر آمن كان الممثل برخاد عبدي يقف له بالمرصاد في دور القرصان الذي يحاول خنق شريان التجارة الدولية وابتزاز القوى الكبرى، ورغم أن تلك الدراما التي حصدت ترشيحات الأوسكار 2013 انتهت بتدخل عسكري حاسم إلا أن الرسالة الأعمق للعمل ظلت واضحة وهي "باب المندب خط أحمر".

تبدلت الأدوار الآن وبدلا من قراصنة الشاشة أصبح هناك ميليشيات الحوثي الإرهابية التي هددت في الساعات الماضية عبر ما يسمى المتحدث العسكري لها بفرض حصار بحري على سفن السعودية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما عده البعض مقدمة لتهديد الملاحة البحرية في المضيق المسئول عن 90% من غذاء الشعب اليمني ويمثل أي اضطراب فيه تحويل اليمن إلى سجن معزول، في وقت يعيش فيه اليمنيون أزمة طاحنة للبقاء على قيد الحياة إذ 90% منهم أصبحوا تحت خط الفقر بمتوسط إنفاق لا يتجاوز 2 دولار يوميا.

ما يفعله الحوثيون سبق وفعله البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر وكانوا يوصفون بالقراصنة الغزاة، وقد خططوا بقيادة زعيمهم فاسكو دا غاما لإغلاق جميع المضائق البحرية في وجه السفن العربية وذلك من أجل تجويع العرب والمسلمين في اليمن وعمان ومصر وكذلك عثمانيو تركيا، ورغم شراستهم في القتال وسفنهم الحربية الضخمة لم يتمكنوا على مدى قرن من تحقيق هذا الهدف نتيجة براعة الشعب اليمني الذي ابتكر إستراتيجية الزوارق الصغيرة وشن حرب عصابات في البحر أجبرت المحتل البرتغالي على الرحيل.

Sat, 18 2026

في 1799 كرر البريطانيون المحاولة ولكن بشكل أذكى تلك المرة إذ أدركوا أن احتلال المضيق يتطلب السيطرة على جزر بعينها مثل جزيرة "ميون" التي احتلتها وتلتها بالسيطرة على عدن، لتنجح بتلك الطريقة في السيطرة على الممر المائي الذي تضاعفت أهميته بعد افتتاح قناة السويس المصرية 1869، وعلى مدى قرن ونصف كانت بريطانيا هي المتحكم الأول في هذا المنفذ المائي الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل ببوابة العبور إلى اليمن ومفتاح السيطرة على مقدراته.

بعد طي صفحات الاستعمار القديم دخل مضيق باب المندب فصلا جديد، خاصة بعد ظهور موجات القرصنة الصومالية التي هددت شريان الملاحة العالمية في الفترة من 2008-2012 ما دفع الدول الكبرى إلى ابتكار مفهوم "الأمن الدولي المشترك" وبموجبه تحولت جيبوتي المقابلة للمضيق إلى قاعدة عسكرية لقوات أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية مهمتها الوحيدة الحفاظ على باب المندب بعيدا عن أي تهديد قد تسببه الميليشيات الإرهابية والقراصنة.

تلك المنظومة الدولية خرقتها ميليشيات الحوثي في سبتمبر 2014 حين لم تكتف بالسيطرة على بعض المدن اليمنية بل قررت أن ترتدي ثوب القراصنة الجدد فأحكموا سيطرتهم على محافظة تعز وميناء "المخا" القريب من باب المندب وبذلك أصبحوا يشرفون بريا على شواطئ باب المندب وجزيرة ميون الإستراتيجية، وهذا ما دفع قوات التحالف إلى التدخل وطرد الميليشيات الحوثية وتأمين الممرات المائية في نهاية عام 2015 ما أسهم في استقرار الأوضاع نسبيا.

ولأن الميليشيات تقتات على الأزمات كما قال المفكر العربي عباس العقاد، لجأ الحوثيون إلى القرصنة عن بعد حيث حصلوا على إمدادات تكنولوجية مكنتهم من زرع آلاف الألغام البحرية العائمة في مياه البحر الأحمر وامتلاك قوارب مسيرة مفخخة استهدفوا بها ناقلات النفط عن بعد، وتجسد ذلك في نوفمبر 2023 حين حول الحوثيين البحر الأحمر إلى رهينة دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التدخل بمساندة بريطانية من أجل إعادة الهدوء إلى شريان التجارة الدولي.

Thu, 19 2026

المفارقة أن البروباغندا الحوثية تبرر تلك الجرائم بالدفاع عن مصالح الشعب اليمني وحمايته من الإفقار بينما تكشف الحقائق عن أنهم السبب الأول والأساسي وراء إفلاس البلاد وتجويع المواطنين، فالمدن الواقعة تحت سيطرتهم يعيش فيها 85% من الشباب عاطل عن العمل ويعاني القطاع الخاص شللا كاملا فضلا عن ارتفاع المواد الغذائية وصهاريج المياه بنسبة 300%، وتكشف أحدث تقارير رسمية للحكومية اليمنية أن جماعة الحوثي سرقت 103 مليارات دولار من الموارد العامة وهذه الأموال كانت كافية لتغطية رواتب موظفين لمدة 30 سنة، إضافة إلى تبديد 4 مليارات دولار كانت احتياطي نقدي ذهبت جميعها في شراء العقارات والسيارات الفاخرة لأعضاء الحوثي وقادته.

أكاذيب الحوثيين استمرت لدرجة أنها زعمت أن السعودية تفرض حصار اقتصادي على اليمن لكن كالعادة تسقط الأكاذيب على أرض الواقع الذي يشير إلى أن السعودية دعمت الاقتصاد اليمني بما يفوق 17 مليار دولار خلال السنوات الماضية في هيئة ودائع ودعم رواتب موظفين وتشغيل محطات كهرباء وتحسين حياة الناس، إضافة إلى أكثر من 300 سفينة تحمل وقود وبضائع ومواد بناء خلال النصف الأول من 2026 فقط فضلا عن مساعي السلام التي تتولاها الرياض للحفاظ على استقرار الملاحة في البحر الأحمر بما يؤدي ذلك إلى تخفيف آلام الشعب اليمني.

تلك الصورة كانت حاضرة أمام الخارجية السعودية التي أصدرت بيان ذكرت فيه بوضوح أن ميليشيات الحوثي هي من دمرت البنى التحتية لليمن عبر استهداف مطار عدن وما نتج عنه من مقتل عشرات الشهداء والجرحى في 2020 كما استهدفت موانئ تصدير النفط في الجنوب 2022 وتلى ذلك مصادرة 4 طائرات يمنية، وقبل كل هذا فقد زجت باليمن في حروب ليس له علاقة بها، وبعيدا عن أكاذيب الحوثيين فقد رفضت السعودية التخلي عن اليمنيين مؤكدة استمرار دعمها لهم وعدم الاستسلام لمغامرات "القراصنة الجدد"، وهو الموقف الذي اتفق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤكدا أن أي تهديد سيتم التعامل معه حتى وإن كان فيلما حوثيا هوليووديا كما يحدث حاليا.

التعريفات
للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية