مع مطلع عام 2026، تفتح السعودية فصلا جديدا في مسارها الاقتصادي، عبر حزمة من التشريعات والقرارات التنظيمية التي تعكس نضج البيئة التشريعية، وتؤكد انتقال المملكة من مرحلة التحفيز إلى مرحلة التنظيم الذكي للأسواق.
هذه الحزمة، التي تلامس قطاعات إستراتيجية تشمل العقار والاستثمار والخدمات اللوجستية والصحة العامة، تمثل ترجمة عملية لمستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد متنوع وجاذب ومستدام.
انفتاح عقاري مدروس
يبرز نظام تملك غير السعوديين للعقار كأحد أهم التحولات التشريعية مع دخول 2026، حيث يتيح للمستثمرين الأجانب تملك العقارات التجارية والصناعية في مختلف مناطق المملكة، مع ضوابط محددة للتملك السكني، واستثناء مكة المكرمة والمدينة المنورة.
يرى حميد الخالدي، الاقتصادي المختص في إدارة الأصول العقارية في أحد المصارف السعودية، أن النظام الجديد يمثل دفعة قوية لمساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير إلى أنه لا يقتصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إنما يفتح أيضا المجال أمام المصارف لتطوير منتجات تمويلية تنافسية موجهة للمستثمرين الدوليين، بما يعزز السيولة ويرفع كفاءة السوق العقارية.
رسوم الأراضي البيضاء .. من التنظيم إلى التفعيل
بالتوازي مع ذلك، تبدأ الرياض مطلع 2026 تطبيق برنامج رسوم الأراضي البيضاء على الأراضي غير المطورة التي تتجاوز مساحتها 5 آلاف متر مربع، مع رسوم متدرجة تصل إلى 10% في المناطق ذات الأولوية القصوى للتطوير.
يهدف البرنامج إلى كبح الممارسات الاحتكارية، وتحفيز تطوير الأراضي، وزيادة المعروض، بما يسهم في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب واستقرار الأسعار.
يؤكد الاقتصادي عبيدالله الغامدي أن تفعيل الرسوم، إلى جانب بدء فوترة الأراضي البيضاء فعليًا، يمثل تحولا من الإطار التنظيمي إلى التطبيق العملي.
ويتوقع أن تدفع هذه الخطوة الملاك إلى التطوير أو الدخول في شراكات استثمارية، ما يعزز كفاءة استخدام الأراضي ويرفع وتيرة المشاريع العمرانية في العاصمة.
بيئة استثمارية أكثر حماية وجاذبية
على صعيد الاستثمار، يدخل نظام الاستثمار الجديد ولائحته التنفيذية حيز النفاذ مطلع 2026، ليؤسس إطارا تشريعيا متقدما يضمن حماية الاستثمارات من النزع أو المصادرة إلا وفق إجراءات نظامية وتعويض عادل.
يُنظر إلى هذا النظام على أنه رسالة ثقة واضحة للمستثمر الأجنبي، تعزز استقرار البيئة الاستثمارية وتدعم تدفقات رؤوس الأموال طويلة الأجل، خصوصًا في القطاعات غير النفطية.
تشريعات للصحة العامة وتنويع الإيرادات
لا تقتصر التشريعات الجديدة على الجوانب الاستثمارية، إذ يبدأ في يناير 2026 تطبيق نظام الضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، بفرض نسب أعلى على المنتجات مرتفعة السكر، مقابل تخفيف أو إعفاء المشروبات منخفضة السكر أو المحلاة صناعيًا.
يصف الاقتصادي ماجد العنزي القرار بأنه خطوة مزدوجة الأثر، تجمع بين تحسين مؤشرات الصحة العامة وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
ويتوقع أن يدفع النظام الشركات إلى إعادة صياغة منتجاتها بما يتماشى مع التوجهات العالمية للسياسات الصحية الوقائية.
لوجستيات أكثر تنظيما وسوق عمل أكثر شفافية
ضمن مسار تطوير الخدمات اللوجستية ودعم التجارة الإلكترونية، يصبح استخدام العنوان الوطني إلزاميًا في جميع الشحنات البريدية اعتبارًا من أول يناير 2026، حيث لن تُقبل أي شحنة دون عنوان وطني دقيق ومعتمد، في خطوة تستهدف رفع كفاءة التوصيل وتقليل الأخطاء التشغيلية.
كذلك، يدخل قرار إلزام دفع رواتب العمالة المنزلية إلكترونيا حيز التنفيذ الكامل مطلع 2026، ضمن المرحلة النهائية للتطبيق التدريجي الذي بدأ في 2024، بهدف تعزيز الشفافية وحماية الحقوق وتنظيم سوق العمل.
يرى محمد الشمري، اقتصادي سعودي، أن حزمة القرارات التي تدخل حيز التنفيذ في 2026 تعكس انتقال السعودية إلى مرحلة أكثر تقدما في بناء منظومة تشريعية متكاملة، تدعم بيئة الاستثمار، وتعزز تنافسية القطاعات الحيوية، وتسهم في تنويع مصادر الدخل، وترسيخ مكانة المملكة كمركز اقتصادي إقليمي ودولي.

