في سعيها إلى تنفيذ أجندة طموحة لربط البنية التحتية لممرات النقل البرية والبحرية والجوية، تهدف دول مجلس التعاون الخليجي إلى التحول لممر اقتصادي وتجاري مرن، عبر تعاون إقليمي يحمي سلاسل التوريد في مواجهة الاضطرابات ويعزز الوصول إلى الأسواق العالمية، في وقت يتزايد فيه التشرذم في أرجاء المعمورة.
تستثمر اقتصادات منطقة الخليج في شبكة موانئ وطرق وسكك حديدية وبنية للشحن الجوي وأنظمة رقمية أوسع وأكثر كفاءة، تُمكّن من نقل البضائع بسرعة أكبر إلى أنحاء العالم، وبأقل قدر من الاختناقات.
يتجلى التحول الذي تتجه إليه منطقة الخليج بوضوح في الإستراتيجية طويلة الأجل والإجراءات والمبادرات السياسية الأخيرة، بحسب تقرير حديث بعنوان "كيف يعزز مجلس التعاون الخليجي مرونة التجارة من خلال التكامل الإقليمي والروابط العالمية؟".
التقرير، الذي تداول المنتدى الاقتصادي العالمي بعض فقراته، يشير إلى التدابير الأخيرة إلى هذا التوجه، بدءًا من خطط تفعيل بروتوكول الممرات الخضراء لدول الخليج، ووصولا إلى إنشاء جسور تجارية جديدة، وخطوط بحرية، وممرات لوجستية تربط السعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان وغيرها من دول المنطقة.
وبينما تملك دول الخليج بالفعل اتحادا جمركيا وسوقا مشتركة، فإن المرحلة التالية تعتمد على توسيع البنية التحتية اللوجستية المشتركة، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وخفض الحواجز غير الجمركية.
"من الصفر" إلى التكامل
في حين تتجه عدة دول نحو العّزلة، حيث يشير التقرير إلى أن التشرذم الجيوسياسي واضطرابات الربط والتوترات العالمية جميعها عوامل جعلت نقل البضائع والبيانات عبر الحدود أكثر صعوبة وتكلفة في كثير من الأحيان، تحافظ منطقة الخليج على أسواقها مفتوحة للاستثمار الأجنبي، مع سعيها في الوقت نفسه إلى تنويع اقتصاداتها.
وزير النقل والاتصالات البحريني عبدالله بن أحمد آل خليفة كان قد أكد في جلسات المنتدى أن دول الخليج استطاعت بناء بنية تحتية متطورة للربط من الصفر، ما مكّن المنطقة من تجاوز الأنظمة القديمة وتأمين شبكات النقل لديها بشكل فعّال لتلبية متطلبات التجارة في القرن الحادي والعشرين.
أشار آل خليفة إلى جسر الملك حمد المزمع إنشاؤه، والذي يمثل حلقة وصل ثانية بين البحرين والسعودية، كمبادرة رئيسية.
سيجمع الجسر بين نقل البضائع براً وسكك الحديد في ممر واحد، وسيكون جزءا من مشروع سكك حديد دول الخليج الأوسع نطاقًا، وهي مبادرة ستربط دول المجلس عبر شبكة سكك حديدية تمتد على مسافة 2117 كيلومترا.
يُوصف المشروع بأنه أحد أهم مشاريع البنية التحتية التحويلية في المنطقة، ومن المتوقع أن يُحفز التجارة البينية الإقليمية، وأن ينقل 95 مليون طن من البضائع بحلول 2045.
في الوقت نفسه، بدأت السعودية أعمال بناء مطارها الضخم، مطار الملك سلمان الدولي، الذي من المقرر اكتماله في 2030 ليضم 6 مدارج ويتسع لما يصل إلى 100 مليون مسافر، ما يعزز مكانة المنطقة كمركز للسياحة والتجارة والنقل.
من خلال هذه الاستثمارات الضخمة، تسعى دول الخليج إلى إثبات كيف يمكن للتكامل الإقليمي أن يُعزز القدرة على الصمود في ظل التشرذم العالمي.
مرحلة ذات طابع إقليمي
بحسب التقرير، فقد تمحورت إستراتيجية التجارة في دول الخليج حول بناء مراكز وطنية مستقلة، حيث استثمرت كل دولة بكثافة في موانئها ومطاراتها ومناطقها اللوجستية. لكن المرحلة التالية ذات طابع إقليمي.
يسعى مجلس التعاون الخليجي بشكل متزايد إلى ربط هذه الأصول في ممرات تجارية مترابطة تُسهّل حركة البضائع عبر الحدود، محولًا بذلك المراكز اللوجستية الرائدة إلى أجزاء من شبكة إقليمية أوسع.
ويصف المنتدى الاقتصادي العالمي هذا التحول بأنه يحول منطقة ذات اقتصادات متباينة إلى ممر اقتصادي موحد ومرن، مدعوم بشبكة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والخطوط الجوية والشبكات الرقمية.
السعودية أطلقت ممرًا لوجستيًا دوليًا يربط موانئ الخليج بالأردن والأسواق الشمالية، بينما أنشأت البحرين والسعودية خطًا بحريًا جديدًا لتعزيز التواصل عبر الخليج.
إلى جانب ذلك، تشير خطوة دول الخليج بتفعيل بروتوكول الممرات الخضراء إلى أن التكامل لم يعد يقتصر على إضافة البنية التحتية فحسب، بل يشمل أيضًا تسريع التجارة عبر الحدود وتحسين تنسيقها التشغيلي.
التوجه نحو التوسع خارجيا
لا يقتصر سعي دول الخليج نحو التكامل التجاري على التوجه الداخلي فحسب، بل يُعيد أيضا تشكيل كيفية تواصل التكتل مع الاقتصاد العالمي الأوسع.
فمع تعميق التنسيق الإقليمي، تُرسّخ دول الخليج مكانتها كجسر أكثر أهمية بين آسيا وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط المجاورة.
وبصفتها منطقة تجارة حرة إقليمية، أبرمت دول الخليج اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي للتجارة الحرة، وسنغافورة، وباكستان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا، وإن كانت بعض مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة الجارية تشهد تباطؤًا، مثل مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع دول الخليج، ومفاوضات أستراليا أيضا.
يظهر هذا التوجه الخارجي تحولًا أوسع في أنماط التجارة الخليجية. فبينما لا تزال الروابط المالية والجيوسياسية تربط المنطقة ارتباطًا وثيقًا بالشركاء الغربيين، تشهد التجارة مع آسيا نموًا سريعًا، حيث أصبحت الصين مصدرًا رئيسيًا للواردات، والهند سوقًا تصديرية متزايدة الأهمية.
وفي الوقت نفسه، تسعى دول الخليج إلى تعزيز دورها في هذه التدفقات التجارية من خلال تحسين الخدمات اللوجستية الإقليمية، وتوسيع الممرات التجارية، وجعل منطقة الخليج منصة أكثر كفاءة للتجارة.

