في نظر علم الأنثروبولوجيا لا تقتصر أعلام الدول على كونها مجرد لافتات ونقوش بل هي علامات ثقافية تعبر عن تاريخ المجتمعات وهويتها والقيم التي تتمسك بها وقد دفع هذا الفهم العالم البريطاني توماس هنري إلى تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا لبريطانيا العظمى عام 1871 ليكون مرجعا لمئات الدراسات التي خلصت في النهاية إلى أن الأعلام وما يصاحبها من طقوس، مثل رفعها في المناسبات الوطنية والجماهيرية وحضورها في المجال العام كالمؤتمرات واللقاءات وقاعات الهيئات والوزارات تلعب دورًا محوريًا في تعزيز الانتماء الجماعي وتوحيد مشاعر المواطنين أمام راية تجسد شخصيتهم الوطنية أمام العالم.
يتجسد هذا المفهوم بشكل واضح في يوم العلم السعودي الذي يحتفل به سنويًا في 11 مارس إذ تعد الراية الوطنية دراسة بصرية لأنثروبولوجيا الإنسان السعودي خلال ثلاثة قرون، يدلل على ذلك ما تذكره الروايات التاريخية الموثوقة التي تشير إلى أن أول ظهور للعلم السعودي 1750 وكان مستطيل الشكل ذا قاعدة خضراء داكنة من الخز "النسيج والإبرسيم" أجود أنواع الحرير ويتوسطه هلال مرسوم باللون الأبيض، المثير أن ذلك حدث في وقت كانت معظم دول الوطن العربي فاقدة لهويتها الحقيقية بسبب تبعيتها لإمبراطوريات كبرى أو خضوعها للاستعمار من قوى عظمى وهو ما جسد آنذاك استقلال المواطن السعودي وتحديده لهويته منذ اللحظة الأولى.
مع الملك عبد العزيز آل سعود انتقلت رمزية العلم السعودي من طورها التاريخي إلى مرحلة الدول الحديثة فمع استعادة مدينة الرياض 1902 وانطلاق مشروع توحيد البلاد، حرص الملك المؤسس على أن تبقى الراية الخضراء حاضرة في كل معاركه ومسيرته السياسية باعتبارها رمزًا للعقيدة والهوية والاستقلال، ومع إعلان توحيد البلاد 1932 اكتسب العلم شكله الأكثر رسوخًا حيث أضيفت الشهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بخط واضح يتوسط الراية وأسفلها السيف العربي" كتعبير عن المشروع الذي قاده الملك المؤسس وهو ما وصفه العالم الأمريكي كليفورد غيرتز بـ"الاستمرارية الرمزية" التي تعمل على حفظ الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية عبر الزمن وتجسد ثبات القيم التي يقوم عليها المجتمع.
لا يمكن فهم قانون "نظام العلم " الذي أصدره الملك فيصل عام 1973 إلا في سياق "تقنين الرمز الثقافي" وتحويله إلى جزء من النظام الاجتماعي للدولة حتى لا يتعرض للاستخدام العشوائي أو التفسيرات المتعددة، ونص القانون على أسس التعامل مع الرمز الوطني وقنن استخدامه كما حددت أبعاده، فهو مستطيل الشكل عرضه يساوي ثلثي طوله ولونه أخضر ممتد من السارية إلى نهاية العلم، تتوسطه الشهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إذ يرسم باللون الأبيض ويخطّ بالثلث كما يساوي السيف ثلاثة أرباع طول رسم الشهادة على مسافة متساوية بين الجانبين ويرسم مقبضة بداية من كلمة التوحيد وينتهي بنهايتها نحو السارية كناية عن انتهاء القتال، ويصف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن هذا التقنين جزء من مفهوم "القوة الرمزية" التي تحتكرها الدولة للتعريف بالرموز المشتركة للمجتمع وتنظيم استخدامها بما يعزز وحدة الهوية الوطنية.
وإذا كان رسوخ العلم السعودي يفسر بوضوح استقرار هوية المواطن وعلاقته برايته التي تشكلت عبر قرون، فإن دلالات العلم تكشف جانبًا آخر من هذه العلاقة إذ يحمل كل عنصر فيه معنى ثقافيًا وتاريخيًا متجذرًا في الوعي الجمعي، فاللون الأخضر الذي يملأ خلفية العلم يرتبط تاريخيًا في الثقافة الإسلامية بمعاني الحياة والطمأنينة والعطاء والنماء كما تشير دراسات الرموز في الحضارة الإسلامية التي تناولها المؤرخ البريطاني برنارد لويس، أما عبارة التوحيد فتمنح الراية بعدًا دينيًا يعكس مركزية العقيدة في تكوين الدولة والمجتمع بينما يرمز السيف العربي إلى القوة المقترنة بالعدل وحماية الدولة.
استثمارًا لرمزيته التاريخية اكتسب العلم السعودي خلال السنوات الأخيرة بعدًا جديدًا تجاوز حضورها التقليدي ليصبح أداة فاعلة في تصدير الهوية السعودية وتعزيز حضورها الثقافي عالميًا، وذلك ضمن مشروع أوسع يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإبراز الشخصية السعودية المعاصرة، وتجسد ذلك في عدة خطوات أبرزها صدور الأمر الملكي عام 2023 بتحديد 11 مارس من كل عام يومًا للعلم السعودي احتفاء بالراية الممتدة منذ نحو ثلاثة قرون والتي تعكس وحدة الدولة واستمرارية مشروعها الحضاري والتنموي.

