تستمر المفارقة الهيكلية التي تواجه منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) بين التفاؤل الرسمي المصاحب للمؤتمرات الدولية، وبين الواقع الاقتصادي الميداني في أسواق القارة.
في هذا السياق، أظهر تقرير شبكة "أفروباروميتر" (شهر أغسطس) بعنوان: "رؤى إفريقية.. ما وراء الحدود"، تأييدا شعبيا لتسهيل الحركة التجارية وتيسير تدفقات الحدود للخروج من حالة الركود الاقتصادي، على الرغم من تدني مستوى وعي أغلبية المواطنين بالوجود الفعلي لهذه الأطر المؤسسية والتكتلات الاقتصادية، وسط استمرار غياب العوائد التنموية في الحياة اليومية.
تكمن الأزمة الهيكلية للاقتصاد القارة في اتساع الفجوة المعرفية والتنفيذية، حيث تصاغ القرارات الاقتصادية بآليات بيروقراطية تنفصل أحيانا عن واقع صغار التجار والشركات الناشئة في الأسواق المحلية. في حين يستند المنطق الاقتصادي الرسمي إلى إلغاء التعريفات الجمركية لبناء بيئة جاذبة للاستثمارات، يزداد القلق الشعبي معززا نزعة "حمائية" قد تبطئ المسار التكاملي للقارة.
دعم مشروط وفجوة إدراكية
تكشف البيانات الميدانية للتقرير أن أكثر من 60% من المواطنين والمستثمرين الصغار يدعمون مبدئيا حرية التبادل التجاري، وتسهيل التبادل عبر الحدود. غير أن 13% فقط منهم على دراية بآليات منطقة التجارة الحرة القارية، ما يعني أن الاتفاقية القارية، على الرغم من زخمها الدبلوماسي، لا تزال تدور في فلك النخب السياسية والتنظيمية دون التأثير المباشر في القاعدة الاقتصادية العريضة.
على مستوى سوق العمل، يسجل التقرير تناميا للمخاوف المحلية، ففي الوقت الذي يبدي فيه نحو 56% تأييدا لتيسير حرية تنقل العمالة، تطالب نسبة تراوح بين 40% و49% بتطبيق سياسات حمائية على الوظائف المحلية، وهذا ما يظهر حجم الضغوط الهيكلية التي تعانيها أسواق العمل الإفريقية، ومدى حاجتها لإعادة التأهيل.
الهجرة البينية.. شريان تمويلي وسياج أمان
لقد تحولت الهجرة البينية الإفريقية إلى محرك اقتصادي حقيقي وتحدٍ هيكلي في آن واحد، فالمعطيات تفيد أن 79% من التدفقات البشرية داخل القارة تقودها دوافع معيشية، وسعي حثيث لتجاوز الضغوط الاقتصادية والبحث عن فرص عمل جديدة.
أسهمت هذه الحركة في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية بين شرق القارة وغربها، ليتشكل مسار جديد نحو الاعتماد على "الذات الإفريقية" بديلا للهجرة التقليدية نحو الأسواق الأوروبية. وتجلى هذا الثقل الاقتصادي في تحويلات المهاجرين الأفارقة البينية، التي تجاوزت حاجز 20 مليار دولار سنويا.
تؤدي هذه التدفقات المالية دورا حيويا كشبكة أمان اجتماعي موازية لامتصاص الصدمات الاقتصادية في المجتمعات المحلية، فضلا عن إسهاماتها في سد الفجوة الناجمة عن تراجع الإنفاق الحكومي على قطاعات الرعاية الاجتماعية والبنية التحتية الأساسية.
البراغماتية غير المنحازة
في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، تتجلى في إفريقيا رغبة واضحة للانفكاك عن الانحيازات الأيديولوجية والابتعاد عن الاستقطابات التقليدية، حيث تبنى الفاعلون الاقتصاديون والشارع الإفريقي نهجا براغماتيا يقوم على تنويع الشركاء لضمان أفضل الشروط لتجميع التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإمداد، وتمويل البنية التحتية.
تتزامن هذه البراغماتية الاقتصادية غير المنحازة، التي يدعمها نحو 71% من الأفارقة، مع مطالبات بتمثيل أكبر في مؤسسات صنع القرار العالمي مثل: "مجلس الأمن" و"مجموعة العشرين"، إلى جانب التأكيد على ضرورة ترجمة هذه الشراكات الدولية إلى تدفقات استثمارية حقيقية وعوائد تنموية ملموسة تلبي الاحتياجات الفعلية للأسواق الإفريقية.
تظل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية رهان المستقبل، لكن نجاحها مرتهن بمدى قدرة البيروقراطية القارية على التجسير بين "طموح المؤتمرات" و"واقع الأسواق". ففي ظل سعي القارة لتأسيس نهج براغماتي غير منحاز واجتذاب رؤوس الأموال الشريكة، فإن إغلاق الفجوة المعرفية بين النخب والأسواق المحلية هو المعبر الوحيد لتحويل إفريقيا من مجرد سوق استهلاكية كبيرة إلى قوة اقتصادية متكاملة ومؤثرة في النظام العالمي.



