اقتصادات التقاعد

|

أن يتقاعد الإنسان بعد أعوام طويلة من العمل المتواصل الدؤوب أمر طبيعي، لكن الأمر غير الطبيعي أن يحكم على المتقاعد أن يموت قاعدا، وكأن التقاعد هو نهاية المطاف أو نهاية الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به المتقاعدون أو كبار المواطنين كما يسمون في بعض المجتمعات، علما أنهم يشكلون شريحة من المجتمع العالمي يتوقع أن تصل إلى 1171 مليون شخص عام 2025.. نعم بعض المتقاعدين يرغب في أن يبدأ حياة جديدة لها طابع خاص من حيث يرى أنها فرصة لاكتشاف الذات والتفرغ للحياة الخاصة وممارسة أوجه الحياة، التي كانت زحمة العمل تعيقه عنها وهذه بلا شك رغبة تحترم.. إلا أن عددا كبيرا من المتقاعدين يبدون رغبتهم في استمرار العطاء ويرون أنهم قادرون على البقاء في دائرة العطاء والإنتاج.. ولو نظرنا إلى بعض قطاعات الدولة كالقضاء والتعليم ومراكز البحوث مثلا، لوجدنا أن العطاء فيها لا يتأثر بالعمر بل إن الخبرة والتجربة المكتسبة تثريان عمل تلك القطاعات... وقد يكون في بعض تجارب الدول الأخرى مثالا يحتذى، فاليابان مثلا أنشأت برنامجا اقتصاديا اجتماعيا خاصا بالمتقاعدين يتضمن تعيينهم مستشارين في الحكومة وفي مؤسسات المجتمع المدني، وفي ألمانيا أنشئت هيئة سميت بهيئة الخبراء المسنين، وفي الولايات المتحدة هناك برنامج ضخم تنظمه جمعية المتقاعدين الأمريكية يتمثل في تنظيم الأرشيف الوطني، وشكلت فرق عمل متكاملة لإنجاز هذا المشروع... ولتفعيل الاستثمار في شريحة المتقاعدين، فإنه لا بد من الاستماع إلى آرائهم وتبني خطط عملية تدعمها أو تقوم بها الجهات ذات العلاقة بالمتقاعدين في الدولة، تشمل إشراكهم في عمليات التخطيط الاستراتيجي وفي حلقات التدريب، كما يلزم عقد الندوات وورش العمل حول تدارس كل ما يهم هذه الفئة من حيث مشكلاتها وحلولها وكيفية الاستفادة منها في عملية يمكن أن نسميها عملية تدوير الخبرة...إننا بحاجة إلى قاعدة بيانات ترصد أعداد المتقاعدين وتخصصاتهم وسيرهم الذاتية، وتكون هذه القاعدة متاحة للقطاعين الحكومي والأهلي.. وأخيرا أود التأكيد أن العطاء ليس مرهونا بعمر معين وإنما هو أسلوب حياة، ولذا فإن إحالة الشخص إلى التقاعد لا تعني بحال من الأحوال أن يحال أيضا كل ما يمتلكه من خبرات وتجارب إلى التقاعد.. وليعلم الجميع خاصة من هم على رأس العمل وفي يدهم القرار صدق المثل الذي يقول، "من طوى قيدي يفتل قيدك".

إنشرها