تغيرات الموازين التجارية «2 من 2»

|


منذ منتصف التسعينيات، اقترن التراجع الكبير في تكلفة التجارة – أي التعريفات الجمركية وتكلفة النقل والاتصالات – باتساع نطاق سلاسل القيمة العالمية وزيادة تعقدها. وأتاح ذلك للدول زيادة إنتاجيتها وتوفير فرص عمل جديدة.
وفي ظل الطبيعة التكاملية للنظام التجاري العالمي الحالي، يتضح أن أي زيادة حادة في التعريفات الجمركية ستؤثر في الدول وستنتج عنها تداعيات متوالية من دولة إلى أخرى، ما سيؤدي إلى تردي أوضاع الاقتصاد العالمي. وتشير نتائجنا إلى أن زيادات التعريفات الجمركية سيقع تأثيرها السلبي على الناتج والوظائف والإنتاجية خصوصا، ولن يقتصر هذا التأثير على الاقتصادات التي تفرض هذه الزيادات وتواجهها مباشرة، ولكنه سيمتد إلى الدول الأخرى في جميع أجزاء سلاسل القيمة.
وفي معظم الدول، نجد أن التأثير السلبي لتطبيق زيادة عامة بمقدار نقطة مئوية واحدة في التعريفات الجمركية على الصناعات التحويلية، باستثناء الآثار المرتدة، سيكون أشد وطأة في الوقت الحالي عنه في عام 1995. وفي حالة ألمانيا وكوريا – وهما دولتان يمتلك كل منهما قطاعا ضخما للصناعات التحويلية مندمجا بدرجة كبيرة في سلاسل العرض العالمية – يبلغ هذا الفرق نحو 0.5 و0.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الترتيب. وعندما تكون زيادات التعريفات الجمركية موجهة إلى دول شريكة بعينها، بدلا من تطبيقها على جميع الدول، قد تستفيد بعض الدول من تحول مسار التجارة نظرا لأن الطلب من الدولة التي تطبق التعريفة الجمركية يتحول إلى الدول التي لا تواجه أي تعريفات جمركية. لذلك فإن التغيرات في الميزان التجاري الثنائي مع شركاء بعينهم نتيجة التعريفات الجمركية الثنائية عادة ما توازنها تغيرات في الموازين التجارية الثنائية مع شركاء تجاريين آخرين، وبالتالي يظل الميزان التجاري الكلي ثابتا دون تغيير يذكر.
تؤيد هذه النتائج استنتاجين أساسين على جانب السياسات:
أولا، ينبغي أن تركز المناقشات بشأن الموازين التجارية على العوامل الاقتصادية الكلية التي عادة ما تحدد حجم الموازين التجارية الكلية. وينصح أن يتجنب صناع السياسات وضع سياسات اقتصادية كلية تشويهية، مثل سياسات المالية العامة المسايرة للاتجاهات الدورية، التي تمنح دفعات تنشيطية في وقت يكون فيه الطلب قويا بالفعل، أو تقديم الدعم المالي الضخم للقطاعات التصديرية على نحو يؤدي إلى اختلالات مفرطة – قد لا يمكن الاستمرار في تحملها. وما لم تتغير السياسات الاقتصادية الكلية، فإن استهداف موازين تجارية ثنائية بعينها لن يؤدي على الأرجح سوى إلى تحول مسار التجارة وموازنة التغيرات في الموازين التجارية مع الشركاء الآخرين، ولن يكون له بالتالي سوى تأثير طفيف في الميزان الإجمالي للدولة.
ثانيا، من شأن التخفيضات متعددة الأطراف في التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز غير الجمركية، مثل حصص الواردات أو تفاوت معايير المنتجات عبر الدول أن تفيد التجارة، وأن تحسن النتائج الاقتصادية على المدى الأطول. لذلك ينبغي أن يواصل صناع السياسات تشجيع التجارة الحرة العادلة من خلال إلغاء التعريفات الجمركية التي تم تطبيقها أخيرا وتعزيز الجهود الهادفة إلى الحد من الحواجز الحالية على التجارة.
وفي الوقت نفسه، يتعين الإقرار بأن تحرير التجارة – مثله مثل التقدم التكنولوجي – يمكن أن تترتب عليه تصحيحات مكلفة في أوضاع بعض مجموعات العاملين والمجتمعات. ومن خلال وضع سياسات مثل برامج إعادة التدريب والمساعدة على البحث عن فرص العمل، وتوفير شبكات أمان اجتماعي كافية، وتعزيز نظم إعادة توزيع الدخل من خلال الضرائب والإعانات الاجتماعية، يمكن المساعدة على ضمان تقاسم منافع التجارة على نطاق أوسع وتوفير الحماية الكافية للأفراد والمجموعات الذين سبقهم الركب.

إنشرها