سرعة الإنجاز على حساب الحوكمة

|


ماذا سيفعل أي عاقل لو تمت دعوته لدخول بناية ضخمة شيدت في زمن قياسي على حساب بعض قواعد التشييد الأساسية؟ لا يوجد داع للإجابة، بالتأكيد لن تدخل أي بناية متعددة الطوابق تعرف مسبقا أن قاعدتها ضعيفة بسبب الغش أو الإهمال، بل ستدعو وتطالب بأن يسجن المهندس والمستثمر ومقاول التنفيذ. الحديث عن تنفيذ المشاريع والإنجازات مهما كان نوعها لا يختلف كثيرا، وإن تشكلت الأسباب والآثار؛ سواء كانت الإنجازات بنايات أسمنتية، أو مشاريع تقنية، أو قواعد بيانات ضخمة، أو منتجات طبية، أو حتى بناء للإنسان وفكره، والأخير أخطرهم بلا منازع.
في أي سياق إداري يبحث رواده عن الإنجاز ستجد القياديين المتحمسين للإنجاز السريع، وهؤلاء عادة يجيدون عزل وتجميد دور المسؤولين عن الحوكمة والرقابة والضبط. رهانهم هنا على الإنجاز بالاعتماد على محركات التنفيذ الأساسية "نجوم الأداء" وإدارة المخاطر بالحد الأدنى؛ على الرغم أنه من غير المنطقي أن تدار المخاطر بالحد الأدنى. لا يعمل هؤلاء دائما وعلنا بسياسة "السرعة على حساب الجودة" لكن في كثير من الأحيان تتحقق هذه النتيجة؛ أي إن النية "إنجاز" لكن النتيجة "خلل". ستجد الأمثلة في الأنفاق والشوارع كما ستجدها في المواهب والقدرات، وكل ما بينهما. في كل الأحوال، حسن النية لا يبرر التقصير ولا الإهمال.
ظاهرة الاهتمام بسرعة الإنجاز على حساب الحوكمة ليست ظاهرة جديدة أو مقتصرة على نوع واحد من الممارسات. ستجدها في كثير من القطاعات، وستجدها في المشاريع التي تدار وفق أسس إدارة المشاريع، وستجدها كذلك في مواقع الإنجاز الأخرى التي تتحرر من هذه الأسس. ستراها لو بحثت في المشاريع الحكومية والقطاع الخاص، في إدارة المبادرات الاستراتيجية وبرامج البناء المؤسسي، في مشاريع حفظ المكتسبات ومحطات التعلم وتوثيق السياسات والإجراءات.
ربما نستطيع أن نتحدث هنا عن مسارين مهمين للحوكمة، الأول الحوكمة أثناء تنفيذ هذه المشاريع، أو حوكمة البناء، والثاني، الحوكمة المستمرة بعد انتهاء التنفيذ. التقصير في تخطيط حوكمة هذه الأعمال والمنجزات يولد الضعف في كلا المسارين. مشكلة المسار الأول، أنه يخاطر بالإنجاز الذي ربما لا يحصل بسبب الضعف الشديد للحوكمة، وبالطبع سيؤثر -حتى لو تحقق الإنجاز- على المسار الثاني لاحقا. وفي كلتا الحالتين خسائر مستقبلية كبيرة. من أكبر تحديات التوازن بين سرعة الإنجاز وحوكمة الأداء صعوبة قياس النتائج والآثار، فكل مسألة يصعب قياسها يصعب الحكم فيها. صعوبة القياس متعددة الأسباب، منها أن كثيرا من عناصر هذا التحدي نوعي وليس كميا، ومنها كذلك أنه مليء بالعناصر غير الملموسة، إذ إنه أساسا مبادئ وقواعد ينبغي اتباعها أثناء أداء العمل، ربما تعكس على الورق لكن ليس واقعا كما يجب. ومما يزيد من تحديات القياس أن الآثار لن تشاهد إلا بعد مضي فترة من الوقت قد تصل إلى عدة أعوام، وهذا يعني اختلاف المشهد، والمشاركين فيه، وربما اختفاء "نجوم الأداء" وقادة الإنجاز من المشهد بالكامل. باختصار، ضعف القياس سيتحول إلى ضعف في الفهم والمشاهدة، وهذا يعني تأخر أو تعطل اكتشاف المشكلة وبالتالي الإصلاح.
من الأمثلة اللطيفة لهذه المسألة المهمة، أي الصراع بين الإنجاز والحوكمة: بيئات إدارة المشاريع المرنة مثل الـ Agile Management . بكل بساطة، نجد أن المرونة والتتابع والديناميكية العالية قد تذهب بصاحبها إلى أقرب جدار، أو على الأقل سيجد نفسه في طريق مستمر من المطبات التي لا تنتهي، هناك عديد من الأمثلة، مثل قاعدة البيانات الضخمة التي عالجت طلبات صانعي القرار على حساب الاعتبارات الأخلاقية، أو النظام المعلوماتي التفاعلي الضخم المكلف الذي لا يجيد الحديث مع أبسط الأنظمة من حوله، أو قائمة المشاريع الفاشلة التي لم تدخل دورة الإنتاج من الأساس. لكن هذا لا يعني أن إدارة الأجيال المرنة ليست أسلوبا مقبولا لكنها تتطلب اعتبارات مختلفة من القيادة.
الحل الذي يقترحه البعض يرتبط بالتوجه والاستراتيجية أكثر من الأداء نفسه، وهذا يعني أن تكون دفة القيادة بيد أشخاص حريصين على الحوكمة واحترام قواعدها بقدر حرصهم على الإنجاز السريع، ولديهم من الحلول العملية ما يكفي لصنع التوازن المطلوب. وهذا لا يحدث إلا بقيادي يجيد توجيه المنفذين والمؤدين لكنه في الوقت نفسه يجيد تحريك الأجواء وفهم الواقع عندما يرتبط الأمر بالحوكمة، إذ ينظر دائما إلى نقاط الالتقاء، الدمج بين التقدم والضبط، يسأل الأسئلة المحفزة للضبط والتوجيه؛ لا يحجم من يقوم بأعمال الحوكمة، بل يعمل مستندا إلى التواصل المستمر الذي لا يضخم الأسس والمبادئ على حساب الإنجاز السريع، لكن يحقق الإنجاز ويحافظ على الأسس والضوابط في الوقت نفسه، ويدفع إلى صنع البيئة المناسبة لالتقاء المؤدي الجيد بضابط الإيقاع مع وجود المراقب المرن، وهذا ما يديم السعادة والرضا على وجوه جمهوره ومستفيديه.

إنشرها