متى يذهب التنفيذيون إلى السجن؟

|


قصص التنفيذيين التي تظهر على السطح مثيرة، وأراهن أن ما خفي دائما أعظم. عشنا أخيرا تفاصيل حكاية كارلوس غصن التي أصبحت مسألة دولية لم يسدل ستارها بعد، وسمعنا قبل ذلك عشرات الأخبار عن تنفيذيين مشاهير تم رميهم في السجن لأسباب مختلفة، من أشهرهم أندي فاتسو وجيف سكيلينج من فريق إنرون الذي نال أحكاما تصل إلى 25 عاما، وبرنارد إيبرس من شركة وردكوم على فضيحتها الشهيرة. قبل بضعة أسابيع، حكم القضاء الكوري على رئيس مجلس إدارة شركة سامسونج للإلكترونيات بـ18 شهرا حبسا لمخالفته الأنظمة العمالية. وما دامت السلوكيات تعج بالأحكام السيئة والشبهات والتجاوزات وفي الوقت نفسه تتطور الأنظمة والتشريعات بشكل مواز فلن تتوقف أخبار الملاحقات القضائية التي تمس التنفيذيين.
وإجابة عن السؤال: متى يذهب التنفيذيون إلى السجن؟ سيكون الجواب البسيط: عند القيام بفعل يستدعي ذلك، وهذا يعني المخالفة الصريحة لأحكام أحد الأنظمة التي يجب اتباعها، أو القيام بجناية لها علاقة بمهامه وعمله، أو الإهمال الجسيم الذي يصل بالتقصير إلى حد الجرم. وللحديث بشكل أوضح هناك عدد لا محدود من التصرفات والقرارات التي قد تعرض التنفيذي لدخول السجن. ذكر السجن في المقال يعد مجرد تجسيد لحجم العقاب وحجم الفعل المسبب له، بينما في الحقيقة الأحكام والجزاءات تتنوع ابتداء من التنبيه والتوبيخ حتى تصل إلى الجزاء المالي والسجن وتشمل بطبيعة الحال ضياع المكتسبات والسمعة.
سأذكر مجموعة من الأفعال التي قد تذهب بصاحبها إلى السجن. مخاطر السجن هنا في ارتفاع متنام لأن الضوابط وتفاصيلها تتطور على المستويين الدولي والمحلي، ولأن أعين الرقابة أصبحت أوسع اليوم، ولأن الفارق بين توقعات الأداء من أصحاب المصالح والأداء نفسه على أرض الواقع أصبح واضحا وقابلا للبرهنة والإثبات بشكل لم ير له مثيل. وللسبب ذاته، أفضل طريقة لاتقاء هذه المخاطر تكون في العمل بجدية وحرفية قصوى؛ أي بالاهتمام والتعلم، والدمج بين حسن النية والانضباط والاعتماد على الشفافية والمعيار الأخلاقي العالي.
من أشهر الأسباب التي تذهب بالتنفيذيين إلى السجن إدارة الأرباح، وقد تحدثت عنها أخيرا في ثلاثة مقالات، واختصارا أذكر أن إدارة الأرباح قد تكون تصرفا محاسبيا لغرض السرقة أو الإخفاء أو التلاعب بالنتائج. وقد تكون إدارة أرباح حقيقية، أي قبل الدورة المحاسبية، إذ يتم تغيير سير العمل بطريقة تمكن الإدارة من تحقيق الأهداف الشخصية قبل تحقيق أهداف العمل نفسه. وفي معظم الحالات تلعب برامج إدارة الحوافز دورا في تحفيز إدارة الأرباح! ربما نستطيع أن نربط بإدارة الأرباح كل الأفعال غير النظامية التي تتحقق بها المصلحة الشخصية سواء كانت رشوة أو سرقة أو حتى إخفاء معلومات وغير ذلك.
ومما يزج بالتنفيذيين في السجن: ممارسة أعمال غير نظامية أو الدخول بطريقة أو أخرى في مسار لا يقبله الواقع النظامي والأخلاقي. مثل ما وقع فيه أحد التنفيذيين في قطاع الترفيه عندما تطورت نماذج أعماله إلى الترفيه الذي يستغل الإثارة ظنا منه أن المجال مفتوح لمثل هذه الأفعال فواجه تهما تتعلق بالاتجار بالبشر، وآخر، شكل مركزا لتبادل الاستثمارات والعمليات النقدية النشطة جدا في مجال ينمو بسرعة فوجد نفسه محاطا بتهم غسل الأموال. تضع التجاوزات الأخلاقية الشخصية أي فرد موضع الاتهام، لكن التنفيذيين أكثر عرضة لدخول هذا القفص باعتبار أنهم دائما تحت سلطة الأضواء والمراقبة، لذا من المتوقع أن يكونوا أكثر احترازا من غيرهم.
لا ننسى كذلك أن الواسطة تدخل في حكم الرشوة وقد تذهب بصاحبها إلى السجن حتى خمسة أو عشرة أعوام، فنظام مكافحة الرشوة يشمل كل موظف أخل بواجباته ووظيفته بأن قام بعمل أو امتنع عن عمل من أعمال تلك الوظيفة ويجعله في حكم المرتشي. من جانب آخر، مخالفة نظام الشركات ونظام هيئة السوق المالية قد يودي به إلى السجن حتى خمسة أعوام كذلك بعد الغرامات المالية، أو كليهما معا. ولا يغيب عن بال أحد التهرب الضريبي ومدى ما يكتسب من أهمية اليوم مع تطور النظم الضريبية.
المثير في الأمر أن التطورات الحديثة قد تزيد أسباب دخول السجن مثل قوانين حماية الخصوصية والأمن السيبراني. هناك نقاش دولي عما إذا يجب وضع قوانين واضحة -مخالفتها تذهب بالرؤساء التنفيذيين إلى السجن- لتعيد تنظيم المشاريع التقنية التي تتجر بما يمس خصوصية مستخدميها، وهذا تهديد قوي لنماذج الأعمال التي تقوم على استغلال ثغرات الخصوصية. مع حجم المسؤولية التي تقع على التنفيذيين ينبغي أن يكون الاهتمام والاحتراز، أما من يتذاكى أو يتجاهل ما يتطلبه موقعه ومسؤوليته فهي مسألة وقت قبل أن يمضي بنفسه إلى حتفه.

إنشرها