أزمة التجارة بين واشنطن وبروكسل

|


كما كان متوقعا، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجومه على "حلفائه" الأوروبيين من الجانب التجاري. وهذا التصعيد يأتي بعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق التجاري الجزئي بين بلاده والحكومة الصينية. فالرئيس الأمريكي يرى منذ وصوله إلى السلطة، أن بلاده تتعرض لـ"الظلم" على الصعيد التجاري ليس من جهة الصين فحسب، بل من الاتحاد الأوروبي. ومضى أبعد من ذلك عندما هدد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، التي يرى ضرورة حتمية إدخال إصلاحات عليها، وأنها تسهم هي الأخرى في "الظلم" المشار إليه. ويبدو واضحا أنه لا مجال، على الأقل في الوقت الراهن، لتخفيف الموقف الأمريكي حيال الأوروبيين، بعد أن عد اتفاقه مع الصين بمنزلة انطلاقة جديدة لحل الملفات التجارية العالقة.
الموقف الأمريكي ليس جديدا حيال أوروبا، فواشنطن لم تترك مناسبة إلا دعت القادة الأوروبيين إلى "تصحيح" العلاقة التجارية معها، ولا سيما فيما يخص فرنسا وألمانيا. حتى بريطانيا التي تعد، بحكومتها الحالية الجديدة، أكثر قربا من الحكومة السابقة من إدارة ترمب، تتعرض أيضا للضغوط الأمريكية بشأن الضرائب، التي تنوي لندن فرضها على شركات التكنولوجيا الأمريكية، واعتمادها أخيرا جزءا من خدمات شركة هواوي الصينية في مجال الجيل الجديد للشبكة الدولية. وحكومة بوريس جونسون البريطانية، أعلنت أخيرا أنها ماضية قدما في فرض هذه الضرائب، التي يعدها البيت الأبيض غير منصفة، بل يرى أنه لا يحق لحكومة بريطانيا القيام بذلك أصلا. وأكدت نهائيا أنها ستسير في اتجاه التعاقد مع "هواوي". وهذه النقطة الأخيرة حساسة جدا على الساحة الأمريكية، وتتعلق بمستقبل العلاقات الإلكترونية بين لندن وواشنطن.
فرنسا اليوم في دائرة الضوء بالنسبة إلى إدارة الرئيس الأمريكي، فباريس اتخذت مواقف متصلبة حيال الدعوات الأمريكية على الساحة التجارية، خصوصا أن العلاقة الشخصية بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمريكي ترمب، ليست على خير ما يرام، وشهدت تشنجات كبيرة في المرحلة الماضية. لكن الأمر لا يختص بفرنسا، بل يشمل كل الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا، المهددة أيضا بفرض رسوم إضافية على صادراتها من السيارات والمركبات للولايات المتحدة. وهناك توجه أمريكي واضح في هذا المجال، يستند إلى عدم التراجع عن الموقف المعلن، في حين أن الموقف نفسه على الجانب الأوروبي. ما يعني أن المعارك التجارية بين الجانبين ستشهد تصاعدا في الفترة المقبلة، على الرغم من بدء الحراك الانتخابي الرئاسي على الساحة الأمريكية.
من الواضح أن توجه الرئيس الأمريكي لن يتوقف عند حدود معينة على الصعيد التجاري، فترمب يفتخر بأنه يدافع عن مصالح بلاده على كل الجبهات، في حين "فشلت" الإدارات الأمريكية السابقة في ذلك. من هنا يمكن أن يأتي التشدد الأمريكي مناسبا للمرحلة على الساحة المحلية الأمريكية، ولا سيما بعد أن حققت الإدارة الراهنة إنجازات اقتصادية حقيقية محليا، بما في ذلك خفض معدلات البطالة، التي تعد محورا مهما في أي انتخابات رئاسية كانت. يرى الرئيس الأمريكي، أن المفاوضات مع الأوروبيين ستكون أصعب من المفاوضات مع الصينيين، علما بأن هذه الأخيرة دامت 18 شهرا تخللتها إجراءات جمركية انتقامية بين الطرفين. لذلك، لن تكون المفاوضات مع الجانب الأوروبي سهلة بأي مقاييس كانت، وستشهد الأشهر المقبلة مواقف صارمة متجددة بين طرفين يفترض أنهما حلفاء تاريخيا في كل المجالات.

إنشرها