الطبقات المتوسطة في الاقتصادات النامية «3 من 3»

|

بعد الحرب العالمية الثانية أسهمت القوى الحميدة، مثل تصاعدية الضريبة وتزايد قوة النقابات العمالية وزيادة فرص الحصول على التعليم في الحد من عدم المساواة.
وكان سقوط حائط برلين حدثا فاصلا، حيث أعاد دول الاتحاد السوفياتي السابق إلى الاقتصاد العالمي في الوقت الذي بدأت فيه الصين الانفتاح هي الأخرى. وأدى النمو السريع في العالم النامي إلى الحد من عدم المساواة بين الدول، بينما أدى إلى اتساع دائرة عدم المساواة في العالم المتقدم حيث ظلت دخول الطبقة المتوسطة ثابتة وازدادت ثروات الأثرياء.
ماذا يحمل المستقبل؟ يبدو المستقبل جيدا بالنسبة لجزء كبير من دول العالم النامي، ولا سيما آسيا التي ستواصل السعي للحاق بركب الدول الغنية. أما في الاقتصادات المتقدمة على الجانب الآخر، فتبدو الآفاق أكثر ضبابية.
ففي الاقتصادات المتقدمة ستواصل القوة المزدوجة الممثلة في العولمة والابتكار التكنولوجي اعتصار الطبقة المتوسطة. وسيتراجع الحراك الاجتماعي نظرا لأن النخبة الراسخة في المجتمع تتاح لها فرص أكبر للحصول على التعليم العالي مرتفع التكلفة وتستغل نفوذها السياسي في وضع سياسات "مناصرة للأغنياء" مثل النظم الضريبية التفضيلية.
ومع تنامي التفاوت في الدخل ستتفاقم الاضطرابات الاجتماعية والخلافات السياسية وهو تكهن أكدته أحداث وقعت منذ صدور الكتاب عام 2016 مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والاحتجاجات التي اجتاحت فرنسا. ويشعر ميلانوفيتش بالقلق إزاء هذه الانقسامات التي قد تؤدي إلى انفصال الديمقراطية عن الرأسمالية، وما سيترتب على ذلك من بلوتوقراطية في الولايات المتحدة وشعبوية ومعاداة للمهاجرين في أوروبا.
ورغم الجدل الكبير الذي ظل دائرا حول عدم المساواة على مدى العقد الماضي "لم تحدث أي تغيرات ملموسة" في السياسات وفقا لميلانوفيتش. فنحن في طائرة دون طيار تسير تلقائيا نحو مزيد من عدم المساواة. لكنني لم أفقد إيماني كليا في إمكانية التغيير".
كذلك فإن الحل التقليدي المتمثل في إعادة توزيع الدخل لن يكون مجديا كما كان في الماضي بسبب حرية انتقال رأس المال التي تتيح للأثرياء حماية دخولهم في دول الملاذ الضريبي. وبدلا من هذا الحل، ينبغي أن تهدف السياسات إلى إعادة توزيع "الموارد" مثل الثروات والتعليم. وتتضمن هذه التدابير زيادة ضرائب التركات، والسياسات التي تشجع الشركات على توزيع أسهمها على العاملين، وزيادة التمويل الحكومي لقطاع التعليم.
ويقول ميلانوفيتش "لن يتحقق ذلك بين ليلة وضحاها. لكنني أعتقد أنه ينبغي التفكير في التحول إلى عالم رأسمالي توزع فيه الموارد على نحو أكثر تكافؤا عنها في الوقت الحالي".
كذلك تناول ميلانوفيتش قضية معقدة، وهي عدم المساواة بين الدول. ووفقا لحساباته، فإن المواطن الأمريكي يزيد دخله بمقدار 93 ضعفا عن دخل أي شخص مولود في البلد الأكثر فقرا في العالم لا لشيء سوى أنه مولود في الولايات المتحدة. وهو ما أطلق عليه ميلانوفيتش اسم "ميزة الجنسية" التي تنشأ عنها ضغوط الهجرة نظرا لأن المولودين في الدول الفقيرة يسعون إلى تحقيق الثراء في الدول الأغنى.
ويشير ميلانوفيتش إلى أن وقف الهجرة ليس خيارا أسهل من وقف حركة السلع أو رأس المال. لكن من غير الواقعي أيضا أن نتوقع من مواطني الاقتصادات المتقدمة فتح حدودهم. والحل: السماح بدخول مزيد من المهاجرين مع حرمانهم من حقوق الجنسية الكاملة، وربما فرض ضرائب عليهم لتعويض المواطنين الذين تتم إزاحتهم من صفوف القوة العاملة.
والأعمال الحالية لميلانوفيتش تعود به إلى جذوره في يوغوسلافيا بصورة ما. إذ تتضمن دراسة هيكل الطبقات في جمهورية الصين الشعبية، مع التركيز خصوصا على الفئة التي تمثل أعلى 5 في المائة في توزيع الدخل. وستكون هذه الأعمال جزءا من كتابه التالي بعنوان Capitalism, Alone الذي يشير إلى أن الصين استحدثت شكلا مميزا من أشكال الرأسمالية سيوجد جنبا إلى جنب مع التوجه الليبرالي السابق.
إلى أين تتجه دراسة عدم المساواة؟ وفقا لميلانوفيتش أصبح لهذه الدراسة جانبان نتيجة البيانات الجديدة المتاحة. الأول هو عدم المساواة في توزيع الثروات من منظور بيكيتي، والآخر هو عدم المساواة بين الأجيال، وهو موضوع أثاره اقتصاديون مثل راج شيتي من جامعة هارفارد.
ويقول ميلانوفيتش إن هذين المجالين "مثار لاهتمام الشباب الذين أصبح لديهم وعي اجتماعي كبير في الوقت الحالي. وعلى الجانب الآخر، يتمتع هؤلاء الشباب بدرجة كبيرة من الذكاء ويرغبون في العمل على موضوعات معقدة". ويضيف قائلا "أنا متفائل للغاية في هذا الشأن".

إنشرها