عقلية البحث والابتكار .. للنخبة أم ثقافة عامة؟

|

تحدثنا في المقال السابق عن سحر الابتكار نتيجة عطائه وإسهامه في التنمية اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا من جهة، وبسبب الحاجة إليه في بيئة عصر التنافس المعرفي المتسارع من جهة أخرى. ويرتبط الابتكار الذي يقدم معرفة قابلة للتوظيف وجني الفوائد، بالإبداع الذي يبحث عن المعرفة الجديدة غير المسبوقة أو تجددها. فإذا كانت الفكرة في الإبداع جديدة، وربما مثيرة كإضافة إلى معارف الإنسان؛ فهي في الابتكار مفيدة، بل فاعلة كوسيلة للتنمية وتحقيق حياة أفضل. وقد يأتي التكامل بين الاثنين وقتيا ومباشرا، وربما يأتي متأخرا، وفي الحالتين يأتي ليقدم الجدة ويعطي أيضا الجدوى.
تمنح الجامعات درجة الدكتوراه للبحث الذي يؤدي إلى الإبداع وجدة المعرفة، والإضافة التي تقدمها إلى المعرفة المتاحة في الموضوع المطروح، وترحب الجامعات عادة بنشر هذه المعرفة المضافة في المجلات العالمية، لأن في ذلك ما يعزز مكانتها المعرفية، وتصنيفها العالمي بين الجامعات. وقد تهتم الجامعات بالابتكار أيضا، وتحرص على تكامله مع الإبداع، من أجل السعي إلى ترجمة المعرفة المضافة إلى معطيات مفيدة؛ لكن ذلك ليس شرطا لمنح الدرجة العلمية. ويتجلى التكامل بين الإبداع والابتكار بصفة خاصة، عندما يكون هناك تعاون بين الجامعة ومؤسسات المجتمع المختلفة؛ حيث يكون الباب مفتوحا بل ضروريا لإبداع المعرفة وتوجيهها لخدمة المجتمع، عبر هذه المؤسسات، وتحقيق التنمية المنشودة. في مثل هذه الحالات لا يكون نشر المعرفة مطلوبا بقدر ما يكون توظيفها والاستفادة منها ضروريا.
ولعلنا نحاول، كاستجابة أولى لعنوان المقال أن نطرح التساؤل التالي لنحاول الإجابة عنه. يقول التساؤل: ما العطاء المطلوب من طالب الدكتوراه كي يحصل الدرجة العلمية؟ الإجابة عن هذا التساؤل هي أن العطاء المطلوب مخرجات تحمل إبداعا يقدم إضافة معرفية للموضوع المطروح؛ وأن هناك عقلية تتبنى خريطة طريق عامة للوصول إلى هذه المخرجات. تشمل هذه الخريطة عددا من المهمات الرئيسة التي يجب على الطالب القيام بتنفيذها. وسنطرح فيما يلي تعريفا بكل من هذه المهمات، بما يشمل الهدف الذي تتطلع إليه ومتطلبات الوصول إلى هذا الهدف، وذلك تبعا لتسلسلها على الطريق، وسننتقل بعد ذلك إلى تساؤل ثان يكمل الاستجابة لعنوان المقال.
هدف المهمة الأولى هو التمكن من التعامل مع الموضوع العام المطلوب البحث فيه، بمعنى التمتع بالأساس العلمي اللازم من جهة، وبمعرفة أساليب العمل ووسائل البحث فيه من جهة أخرى. وبالطبع لا يصل الطالب إلى مرحلة الدكتوراه إلا بعد دراسة مطولة لمقررات في الموضوع ومعطياته في المراحل الجامعية السابقة، وربما في بداية مرحلة الدكتوراه أيضا. وعلى ذلك، لا بد لطالب الدكتوراه من أن يكون قد أدى هذه المهمة عندما يبدأ العمل في بحثه للوصول إلى المخرجات المنشودة.
ونأتي إلى هدف المهمة الثانية وهو التعريف بالمسألة البحثية التي يتوقع أن يصل البحث فيها إلى المخرجات المنشودة. وتتطلب هذه المهمة دراسة الحالة المعرفية الراهنة لهذه المسألة، وإيجاد ثغرة معرفية يمكن البحث فيها والتمكن من إغلاقها بمخرجات معرفية جديدة غير مسبوقة. تشمل هذه الدراسة استخدام المعرفة المكتسبة في المهمة الأولى في القيام بمراجعة ما ورد من نشر علمي حول الحالة المعرفية للمسألة، خصوصا أحدث ما نشر؛ مع تقييم مكامن القوة في المنجزات التي يقدمها هذا النشر، وتحديد مواطن الضعف فيها. ومن مواطن الضعف هذه يمكن التعريف بالمسألة البحثية التي تستطيع تقديم منجزات جديدة تحمل إبداعات تؤدي إلى تحديث المنجزات السابقة. فإن لم يكن من الممكن تحديد ذلك في المسألة البحثية، فلا بد عندئذ من تعديل التوجه البحثي نحو مسألة تسمح بهذا التحديد.
ونصل إلى المهمة الثالثة، وهدفها بيان منهجية ووسائل القيام بالبحث المعرف في المسألة البحثية. وتختلف مثل هذه المنهجية ووسائلها تبعا للمسألة المطروحة، والموضوع الذي تنتمي إليه. فهناك وسائل بحثية تستند إلى محاكمات منطقية، أو نظريات رياضية، أو برامج حاسوبية، أو أعمال تجريبية أو غير ذلك، أو ربما تتصف بتعدد الوسائل.
بعد هذه المهمة تبرز المهمة الرابعة وهدفها إعداد البحث واستخلاص النتائج. وتتطلب هذه المهمة الاستفادة من الإمكانات المطروحة في المهمة الأولى، للنظر في المسألة البحثية الناتجة عن المهمة الثانية، وذلك على أساس المنهجية وباستخدام الوسائل المحددة في المهمة الثالثة، ثم جني النتائج المنشودة التي تعطي مخرجات المهمة الرابعة. وتأتي بعد ذلك المهمة الخامسة وهدفها تحليل النتائج وبيان معطياتها وتميزها، والإسهام المعرفي الذي تقدمه. ويضاف إلى ذلك إلقاء الضوء على حدود النتائج ومحاولة التعريف بمسائل مستقبلية للبحوث في الموضوع المطروح، لفائدة الباحثين الجدد.
نجد أمامنا بعد ما سبق خمس مهام في خريطة الطريق إلى الإبداع الذي يؤسس للابتكار بعد ذلك. والتساؤل الثاني الذي يطرح نفسه هنا استجابة لعنوان المقال هو: هل هذه المهام للنخبة الحاصلين على الدكتوراه، أم هي ثقافة عامة للجميع؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، لعلنا نلقي نظرة مختصرة إلى المهمات السابقة، بعيون الإنسان الواعي في حياته الاجتماعية والمهنية. في المهمة الأولى عليه الاطلاع ومتابعة شؤون حياته وعمله؛ وفي الثانية عليه مشاهدة ما حوله مشاهدة واقعية نقدية تمكنه من التعرف على متطلبات تطوير حياته الشخصية والمهنية والإبداع في ذلك؛ وفي الثالثة عليه تحديد كيفية القيام بالتطوير؛ ثم عليه في الرابعة تنفيذ التطوير المنشود؛ وعليه أخيرا في الخامسة المراجعة والتدقيق وتوثيق التطوير وفتح آفاق مستقبلية جديدة.
خلاصة القول هي أن عقلية البحث والابتكار عبر خريطة الطريق التي تتبعها ليست فقط للنخبة الذين قاموا أو يقومون بإعداد البحوث للحصول على درجات علمية، بل هي ثقافة عامة لكل إنسان. كل فرد منا يستطيع الاطلاع على ما حوله وما يهواه ويناسب اهتماماته، ويستطيع مشاهدة ما يجري على أرض الواقع في هذا الشأن ومتطلبات تطويره، كما يستطيع تحديد كيفية التطوير، ثم القيام بالتنفيذ والمراجعة والتوثيق. كلنا قادرون على الإبداع، وتعزيزه بالتطبيق والابتكار؛ وعلينا أن نفعل.

إنشرها