FINANCIAL TIMES

مشكلات الأرض تنتقل إلى الفضاء .. 70 دولة تدير برامج استثمار فضائية

أسس قانون الفضاء الدولي الموجودة اليوم وضعت في وقت شهد ذروة الحرب الباردة وسباق الفضاء السوفياتي - الأمريكي. في عام 1959، بعد عامين فقط من إطلاق الروس "سبوتنيك"، وهو أول قمر صناعي، أنشأت الأمم المتحدة "لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية". في عام 1967 دخلت "معاهدة الفضاء الخارجي" Outer Space Treaty التاريخية حيز التنفيذ بإعلانها أن "القمر وغيره من الأجرام السماوية (...) يجب أن تكون مفتوحة للبشرية جمعاء".
معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي - لإعطاء عنوانها الأطول – لا تزال تشكل حجر الزاوية في قانون الفضاء الدولي ولا تزال تجتذب أطرافا جديدة للتوقيع عليها. في آب (أغسطس) الماضي أصبحت البحرين الطرف رقم 110 في المعاهدة.
وقد تم استكمالها بأربع اتفاقيات دولية أكثر محدودية توسطت فيها الأمم المتحدة في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي - تنظم إنقاذ رواد الفضاء، والمسؤولية عن الأضرار، وتسجيل عمليات الإطلاق، والأنشطة على القمر. ولم يتم وضع معاهدات فضائية أخرى منذ ذلك الحين.
مع ذلك، شهدت الـ40 عاما الماضية، والعقدان الأخيران على وجه الخصوص، تحول أنشطة الفضاء عندما انتقل القطاع الخاص المزدهر إلى ما كان بالكامل تقريبا مجالا من اختصاص الحكومات. تعد "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967 ممتازة في تحديد مسؤوليات الدول الأعضاء - لا لعسكرة الفضاء أو المناطق المناسبة على الأجرام السماوية، مثلا - لكنها بطبيعة الحال تفشل في توقع مدى وطبيعة العمليات التجارية.
ولأن الفضاء ليس ملكا لأحد، بدأت تظهر المشكلات. تبرز من بينها مسألتان بحاجة إلى توضيح قانوني: التعدين في الفضاء، وتلوث الفضاء.
تأجلت خطط استخراج المعادن من الكويكبات منذ أن أصبحت الفكرة موضع اهتمام الرأي العام قبل أقل من أربعة أعوام. من المحتمل أن يكون القمر هدفا مباشرا بدرجة أكبر للاستغلال التجاري، حيث تخطط كثير من الشركات الناشئة الطموحة لاستخراج الموارد من القمر في 2020. من ضمنها شركة آي سبايس ispace اليابانية، وشركتي لونار ريسورسز Lunar Resources ومون إكسبريس Moon Express في الولايات المتحدة.
مثل هذه التحركات قد تصبح ممكنة، مثلا، عن طريق استخدام الثلج على سطح القمر؛ الذي يمكن أن يوفر المياه للمستعمرات القمرية، أو تجزيئها كهربائيا - باستخدام الطاقة الشمسية - إلى هيدروجين وأكسجين لتزويد المركبات الفضائية بالوقود لمواصلة استكشاف النظام الشمسي. كما يمكن استخدام المعادن والفلزات على نحو مماثل. لم يتضح بعد ما إذا كانت معاهدة الفضاء الخارجي تسمح بهذه الأنشطة أم لا.
في ظل عدم وجود إطار قانوني دولي واضح، ستعمل الدول فرادى على صياغة قوانين وطنية تسمح لشركاتها ومواطنيها باستغلال الموارد الطبيعية في الأجرام السماوية. قادت الولايات المتحدة الطريق مع قانون استكشاف موارد الفضاء واستخدامها الذي وقعه الرئيس باراك أوباما في عام 2015. ثم حذت حذوها لوكسمبورج في عام 2017، وهي دولة صغيرة ذات طموحات فضائية كبيرة، وسيصبح قانون الفضاء الجديد لدولة الإمارات ساري المفعول هذا العام.
في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وقع مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي Unoosa اتفاقية مع حكومة لوكسمبورج لإطلاق مشروع يسمى "قانون الفضاء للفاعلين الجدد في مجال الفضاء" Space Law for New Space Actors. وسيساعد ذلك الدول التي بدأت في تطوير برامج فضائية على وضع تشريعات تنسجم مع قانون الفضاء الدولي. يقول سيمونيتا دي بيبو، مدير مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، هناك بالفعل ما لا يقل عن 70 دولة تدير برامج فضاء وطنية "وكثير من الدول الأخرى بدأت في استكشاف الفرص التي توفرها الأنشطة الفضائية".
المسألة الأخرى التي يمكن القول إنها تحتاج إلى معالجة مباشرة أكثر من استغلال الموارد، هي التلوث المداري. يمثل حطام المركبات الفضائية البائدة تهديدا متزايدا للأقمار الصناعية النشطة التي تعتمد عليها الحياة الحديثة، لأنها توفر الاتصالات والبث، والملاحة، والتنبؤات الجوية، والرصد البيئي.
وفقا لـ Unoosa، تم إطلاق نحو تسعة آلاف جسم في الفضاء منذ إطلاق "سبوتنيك"، وسيرتفع العدد الكلي سريعا خلال عام 2020 حينما تبني الشركات "أبراجا" تحتوي على الآلاف من أقمار الاتصالات الصغيرة.
تشير تقديرات وكالة الفضاء الأوروبية ESA إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف قمر صناعي مهجور توجد في المدار، إضافة إلى 34 ألف شظية من الحطام حجمها أكبر من عشرة سنتمترات يمكن أن تدمر قمرا صناعيا نشطا، وملايين لا حصر لها من القطع الصغيرة التي يمكن أن تتسبب في أضرار جسيمة.
في ظل غياب قانون دولي يجبر مشغلي الأقمار الصناعية على إزالة المركبات الفضائية الزائدة عن الحاجة من المدارات المزدحمة، وضعت الأمم المتحدة والشركات التابعة لها، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية، مدونات طوعية. من الأمثلة على ذلك المبادئ التوجيهية لتخفيف الحطام الفضائي التي وضعتها الأمم المتحدة عام 2007.
لكن جان وورنر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية، يريد تدابير أكثر صرامة. يقول يجب أن يكون لزاما على كل قمر صناعي جديد أن يتضمن آلية لإسقاطه، لكي يحترق بأمان في الطبقة العليا من الغلاف الجوي في نهاية عمره. وإلا فيجب إجبار الشركة على توقيع عقد للخروج من المدار مع مقدم خدمة خارجي، ربما تكون شركة متخصصة أو وكالة فضاء. من ضمن الأساليب التي اقترحتها وكالة الفضاء الأوروبية وغيرها، التقاط النفايات بأذرع آلية، أو وضعها في شباك، أو اصطيادها.
أبراج الأقمار الصناعية للاتصالات التي خططت لها "ون ويب" OneWeb من المملكة المتحدة و"سبيس إكس" SpaceX و"أمازون" تشكل خطرا يهدد بنوع مختلف تماما من تلوث الفضاء. يعرب علماء الفلك عن قلقهم من أن الموجات اللاسلكية والضوئية المنعكسة من آلاف الأقمار الصناعية ستفسد عمليات الرصد والمراقبة عبر مناظيرهم الحساسة.
في غياب أي نظام حوكمة عالمي يوفر الحماية البيئية في الفضاء، قد لا يكون هناك كثير الذي يمكن أن يفعله علماء الفلك حيال هذا الأمر، بصرف النظر عن شعور شركات الأقمار الصناعية بالخزي والعار كي تبذل كل ما بوسعها للحد من هذا الخطر. تجري "سبيس إكس"، مثلا، تجارب على جعل الطبقة الخارجية للمجموعة التالية من أقمار "ستارلينك" التابعة لها أقل انعكاسا.
لقد كان من الصعب منع تلوث الأجزاء غير المملوكة من الأرض، مثل المحيطات المفتوحة والغلاف الجوي. وقد يكون منع "مأساة ما هو مشاع" في الفضاء بالقدر نفسه من الصعوبة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES