الطبقات المتوسطة في الاقتصادات النامية «2 من 3»

|

في الجامعة في بلجراد، اهتم ميلانوفيتش بداية بالفلسفة، لكنه قرر أن الاقتصاد سيكون مجالا عمليا على نحو أكبر، فضلا عن أنه سيتيح له الجمع بين اهتماماته بالإحصاء والطبقات الاجتماعية. 
وبعد الدراسات العليا، التحق ميلانوفيتش زميلا في جامعة ولاية فلوريدا في تالاهاسي حيث انبهر بالوفرة الأمريكية -وجبات الطعام الكبيرة غير المكلفة، وأكواب القهوة التي يعاد ملؤها مجانا، والسيارات الفارهة- إلى جانب فرط عدم المساواة بين الدخول والتمييز العنصري الصارخ. 
وعاد ميلانوفيتش بعد عامين إلى بلجراد للعمل على رسالة الدكتوراه حول عدم المساواة في يوغوسلافيا، حيث حلل بيانات نادرة مستمدة من مسح لقطاع الأسر المعيشية حصل عليه من صديق كان يعمل في المكتب الإحصائي الفيدرالي. 
وفي حين أثارت رسالة الدكتوراه الاستغراب والاستياء في يوغوسلافيا الماركسية -إلى جانب قراره بتجنب الانضمام للحزب الشيوعي- فقد بدأ على أثرها مسيرة مهنية استمرت عقدين في إدارة البحوث في البنك الدولي.
ويقول ألان جيلب الذي عين ميلانوفيتش للانضمام إلى فريق صغير يعمل على دراسة التحول إلى اقتصادات السوق في أوروبا الشرقية بعد انتهاء حقبة الشيوعية "لقد كان برانكو حقا من أهم الخبراء في مجال توزيع الدخل في ذلك الوقت". فقد تركز اهتمام ميلانوفيتش على قضايا الفقر وتوزيع الدخل. 
وكانت البيانات الكثيرة التي يجمعها البنك الدولي موردا لا يقدر بثمن، وأوحت لميلانوفيتش بإجراء مقارنات قطرية لظاهرة عدم المساواة، وكانت هذه المقارنات مجالا جديدا لم يسبقه إليه أحد. وفي أحد أيام عام 1995 كان ميلانوفيتش يتحدث مع رئيس الوحدة الذي جاء خلفا لجيلب. 
"لقد طرأت هذه الفكرة على رأسي فجأة: انظر إلى جميع هذه البيانات التي جمعناها من مختلف أنحاء العالم. نحن ندرس كل بلد على حدة، لكن لم يسبق لنا جمعها معا في دراسة واحدة". وبعدها بأربعة أعوام، نشر أول دراسة عن التوزيع العالمي للدخل استنادا إلى مسوح الأسر المعيشية. 
وفي الأعوام اللاحقة، نشر ميلانوفيتش عديدا من الدراسات. وإلى جانب عمله في مجال اقتصادات ما بعد الحقبة الشيوعية، استمر في دراسة عدم المساواة وارتباطها بالعولمة. وغطت مقالاته وكتبه مجموعة اهتماماته الواسعة التي تضمنت التاريخ والأدب والرياضة. 
ففي أحد مقالاته، يقدر ميلانوفيتش متوسط مستوى الدخل وعدم المساواة في بيزنطة عام 1000. وتتناول دراسة أخرى الروابط بين حرية انتقال العمالة وعدم المساواة في رياضة كرة القدم التي يصفها بأنها الرياضة الأكثر عولمة على الإطلاق. 
فقد توصل إلى تزايد عدم المساواة بين أندية كرة القدم نظرا لأن الفرق الأوروبية الـ12 الكبرى يمكنها شراء أفضل اللاعبين حول العالم. وعلى الناحية الأخرى، أدت حرية انتقال لاعبي كرة القدم إلى الحد من عدم المساواة بين الفرق الوطنية. والسبب في ذلك أن اللاعبين من الدول الصغيرة يمكنهم شحذ مهاراتهم في أندية الفرق الكبرى والعودة إلى دولهم للمنافسة في فرقهم الوطنية. 
وقد أوحت له حواراته الأدبية مع زوجته ميشيل دي نيفيرز، وهي مختصة في تمويل الأنشطة المناخية في مركز التنمية العالمية، بكتابة تحليل غير مسبوق عن رواية Pride and Prejudice لجين أوستن. فقد أشار ميلانوفيتش إلى أن الرواية تركز على المال بقدر تركيزها على الحب، ووضع تقديرات لدخول مختلف أبطال الرواية وحلل تأثير الثروة في اختيار بطلة الرواية إليزابيث بينيت، لأقرانها.
وفعل الأمر نفسه مع رواية Anna Karenina لليو تولستوي. وصدر المقالان في كتاب لميلانوفيتش بعنوان The Haves and the Have-Nots: A Brief and Idiosyncratic.History of Global Inequality, 2011 ويعد كتابه الآخر بعنوانGlobal Inequality: A New Approach for the Age of Globalization إنجازا مهما جمع فيه خلاصة أعوام دراسته لظاهرة عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها منذ الثورة الصناعية.
وعلى عكس بيكيتي الذي يقول إن دائرة عدم المساواة تتسع اتساعا كاسحا في ظل الرأسمالية، يرى ميلانوفيتش أن ظاهرة عدم المساواة تحدث في صورة موجات أو دورات رهن تأثير ما يسميه بالقوى الحميدة والقوى الخبيثة. ففي الاقتصادات المتقدمة، اتسعت التفاوتات بين الدخول خلال القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20 حتى ظهور القوى الخبيثة الممثلة في الحرب والتضخم المفرط التي أدت إلى الحد من هذه التفاوتات من خلال تدمير الثروة... يتبع.

إنشرها