منصات الاستثمار .. القفز للمؤهلين فقط

|


عندما يقفز شخص لا يجيد القفز ولا السباحة من منصة شاهقة في مسبح عميق فهو بلا شك يخاطر بحياته، ولن ينفعه أو يضره وجود الجماهير المتفرجة أو غيابهم، لن تنفعه إلا مهاراته ومعرفته بأسس هذه الممارسة. قد يتموضع على المنصة بشكل خاطئ، وقد يقفز بشكل خاطئ، وربما يصل إلى الماء ولا يجيد الخروج منه بعد الدخول إلى العمق. في مثل هذه الحالات يبدأ الخطأ من اتخاذ قرار القفز وعدم اختيار المنصة الملائمة والتأكد من إجادة المهارات المطلوبة، وقبل ذلك مصدر الرغبة في القيام بهذه الممارسة، وجود المدرب الجيد، وأسلوب التدرج في اتخاذ هذه الخطوات.
كنا وما زلنا نطالب بتنوع الخيارات الاستثمارية المتاحة للمستثمرين، تنوع الخيارات مطلب مهم لمواءمة احتياجات المستثمرين بمختلف أنواعهم وأهدافهم. بدأنا نرى اليوم خيارات حقيقية محترمة لم تكن موجودة في السابق، مثل الأصول الكبرى المدرة للدخل "الريت" والمتاحة للجميع والمنوعة جيدا، وهناك خيارات للاستثمار في حقوق الملكية ورأس المال الجريء، وغيرها من التطورات في أسواق المال ومنتجات الخزانة وربما المشتقات قريبا. ومع هذا التنوع وتطور البيئة التشريعية والتنظيمية وتأثير التقنية تنوعت كذلك المنصات والبرامج التي تتيح هذه الخيارات لمختلف فئات المستثمرين. وهذا أمر مهم، فالمطالبة بزيادة الزخم الاستثماري ليست لمصلحة المستثمرين فقط، بل لمصلحة اقتصادية أساسية، منافع متبادلة لمن يحتاج المال ويملك القدرة على تنميته، ولمن يبحث عن المكان الملائم لتنمية أمواله.
لهذه الأسباب، هناك دائما حاجة إلى دعم هذه التطورات الاستثمارية، وترويجها، ودفع المؤهلين لإدارتها ونقلها لمستوى أفضل، تحت مظلة التشريعات والأنظمة المناسبة والممارسات المثلى. هناك عدد كبير لا يحصى من التحديات يواجه من يعمل على صنع وإدارة هذه الخيارات الاستثمارية، فلن تكون جميع محاولات صنع الفرص الاستثمارية محاولات ناجحة بالضرورة، وهذا ما سنراه مع مرور الوقت. المشكلة التي قد تحدث – وبنظري موجودة بدرجات متفاوتة قد تصل إلى مستوى خطير أحيانا– هي مسألة الاندفاع نحو خيارات استثمارية معينة ممن لا يعي المخاطر المرتبطة بهذا الخيار، وهذه ليست مشكلة جديدة، لكنها تتفاقم أحيانا إلى مستوى خطير يستوجب التوقف والتنبيه.
نتذكر جميعا ما حصل في سوق الأسهم خلال أزماتها السابقة، وهذا أمر مرتبط بكل أزمات أسواق الأسهم في مختلف الأماكن والأزمان، عند تحليل الوقائع نجد أن الاندفاع أحد أهم الأسباب التي ضخمت من الأثر. ودائما ما يكون هذا الاندفاع مرتبطا بمهارات التعامل مع هذا النوع من الاستثمار، لأنه استثمار محكوم بقواعد معينة ويكتسب درجة معلومة من المخاطر -وبالطبع ليست قليلة المخاطر. ولأن المخاطر أمر نسبي، فاكتمال التصور السليم لدرجة المخاطر مرتبط بقدرة المستثمر على فهم ما يجب تقبله من مخاطر استثمارية على المستوى الشخصي، وهذا أمر -كما أشرت في مقالات سابقة- يتطلب معرفة جيدة بالأهداف الشخصية، وترتيبا واضحا للخطط المالية، وميلا شخصيا مبنيا على ذلك للمستوى المقبول من المخاطر.
الاندفاع بالحديث حول خيارات رأس المال الجريء أو منصات التمويل الجماعي في المجالس أو على "سناب شات" لغرض الاستثمار يشبه إلى حد، ما حدث قبل أعوام مع التعامل بالفوركس مع فارق الانتشار وآلية التأثير، الذي خسر كثيرون منه لأسباب مختلفة منها النصب والاحتيال ومنها عدم ملاءمة هذا الخيار "في حالة نزاهته" لكثير من المستثمرين المندفعين. من البديهي القول إن من يحاول الاستثمار عن طريق منصة التمويل الجماعي مثلا وهو لم يحاول بعد ضبط مصروفاته أو رفع مستوى دخله أو الاستثمار والادخار في خيار منتظم محدود المخاطر يقوم فعليا بالعبث الاستثماري. وأنا لست هنا بصدد توجيه اللوم لعارض الخدمة الذي يقدم تحذيره مبكرا وبشكل واضح إن كان يخضع لتنظيم الجهات المسؤولة، لكن الكرة دائما في ملعب المستثمر الذي يجب أن يقوم في كل الأوقات ومهما كانت درجة تقدمه في عالم الاستثمار بفهم وإدراك ما يقوم به. لا عذر لأحد اليوم حتى لو لم يتخصص في هذا المجال أو لم يلقنه أحد في المدرسة أساسيات الثقافة المالية وأسس الاستثمار السليم. هدف تحقيق الربح العالي يجب أن يأتي متأخرا جدا بعد هدف تحقيق الربح المعقول مع الحفاظ على المكتسبات المالية، وقبل ذلك يجب أن يكون الحديث عن المهارات والعادات التي يجب أن يستحوذ عليها المستثمر تحت مظلة الوعي السليم والملائم لاحتياجاته، واليوم نجد المادة التوعوية متاحة بكل اللغات والوسائل نصا وصوتا وصورة، لمن يريد أن يتعلم ما يستفيد ويربح منه.
نحن بحاجة إلى مزيد من المنصات والقنوات والخيارات الاستثمارية المتنوعة، كما ونوعا، نشجع ما وصل منها وبانتظار مزيد. نتمنى أن تنمو لتتحسن خيارات المستثمر وخيارات الإنتاج وصنع القيمة، لاقتصاد وعالم أفضل. لكن لا اندفاع ولا مقالب ولا إحراق لسمعة هذه الخيارات. الاندفاع السريع - وهو قفز لغير المؤهلين - يزيد احتمالية الخسائر والهروب السريع لاحقا وربما الملاحقات القضائية كذلك، وهذا من أكبر الضرر على المستثمِر والمستثمَر فيه.

إنشرها