قضايا المعرفة في دليل الابتكار .. وآفاق المستقبل

|

"الابتكار" كلمة باتت سحرية، ويأتي سحرها كامنا في أمرين: سحرها الأول في "معناها" الذي يقول إنها المعرفة الجديدة المفيدة القابلة للتوظيف وتقديم الفوائد والإسهام في التنمية؛ أما سحرها الثاني ففي "بيئة العصر" الذي نعيش فيه، حيث يتسارع التنافس بين المؤسسات والدول على التطوير والتجديد، لتكون كلمة "الابتكار" شعارها ووسيلتها إلى ذلك. مصدر الابتكار هو "الإنسان"، الذي يحتاج إلى تأهيل وتحفيز وفرص ملائمة لعطائه؛ وميدان الابتكار هو "الحياة" حيث التنافس، والعرض والطلب، والمفاضلة والاختيار، على مستوى الأوطان والعالم بأسره. ولذلك فإن "تقييم حالة الابتكار" في دولة من الدول يرتبط بمشهد واسع النطاق يتضمن عوامل عديدة ينبغي أخذها في الحسبان. ويحاول "دليل الابتكار العالمي" GII ذلك عبر "سبعة محاور" تتضمن "21 مجالا" تتفرع إلى "80 مؤشرا".
ولا شك أن من الصعب على "دليل الابتكار العالمي" أو أي دليل مماثل، مثل "دليل التنافسية العالمي" GCI، الادعاء بأنه يغطي كل جوانب "تفعيل الابتكار" وجوانب "فاعلية تأثيره"؛ لكن بإمكان هذه الأدلة القول إنها تغطي قدرا مهما من "عوامل تقييم الابتكار" التي ينبغي أخذها في الحسبان. وتأتي أهمية "دليل الابتكار العالمي" من أنه صادر عن عدد من المؤسسات التي تتمتع بموثوقية عالية، وعلى رأسها "منظمة الملكية الفكرية العالمية" WIPO؛ وأنه بات يقيم على أساس منهجيته ومؤشراته، مختلف دول العالم سنويا، وعلى مدى أعوام ليعطيها صورة عن حالتها مقارنة بحالة دول العالم الأخرى. وغاية هذا المقال هي التركيز على "الجوانب المعرفية" في معطيات هذا الدليل، أي المؤشرات التي ترتبط ارتباطا مباشرا بالمعرفة، والسبب في ذلك هو توجيه انتباه المؤسسات المعرفية إلى هذه الجوانب التي تمثل المحرك الذي يولد "الابتكار" ويوجهه ويفعل تأثيره.
وليس طرح "الجوانب المعرفية" لدليل الابتكار العالمي في هذا المقال بجديد، فقد كانت هذه الجوانب، في مطلع عام 2013، موضوع حوار وبحث بيني وبين الزميل العزيز الدكتور محمد السديري، الأستاذ في قسم نظم المعلومات الإدارية، في جامعة الملك سعود، في ذلك الوقت. وكانت نتيجة هذا البحث: تحديد "الجوانب المعرفية" من الدليل في إطار نموذج متعدد المستويات؛ ثم بيان تقييم المملكة مع عدد من الدول على أساس هذه الجوانب؛ إضافة إلى الاستفادة من ذلك في تحديد مجالات التعاون المعرفي بين المملكة وهذه الدول. وقد تم نشر بحث مشترك حول الموضوع في مجلة معروفة في مجالها هي مجلة "الابتكار: الإدارة والسياسة والممارسة" Innovation: Management, Policy & Practice.
"الجوانب المعرفية" للدليل لم تتغير، لأن المصدر، أي "الدليل ذاته" لم يتغير، لكن التغيير أصاب جانب نتائج التقييم ومكامن القوة ومواطن الضعف فيه، بسبب مضي "سبعة أعوام" على هذا التقييم. وسنطرح "قراءة نقدية" لهذه الجوانب فيما يلي على أساس المستويات الخمسة التي حددها البحث، وهي: مستوى "الإنسان" والتأهيل المعرفي؛ ومستوى "الوسائل" المعرفية؛ ومستوى المعرفة في "الأعمال"؛ ثم مستوى "العطاء المعرفي والإنتاج التقني"؛ وصولا إلى مستوى المعرفة و"العطاء الإبداعي". وليست هذه المستويات منفصلة عن بعضها، بل هي متكاملة ومتبادلة التأثير.
عند مستوى "الإنسان" تبرز قضايا التعليم، بما في ذلك التعليم العام، والعالي، والبحث العلمي. ولدليل الابتكار العالمي مؤشرات في هذا المجال تهتم بحجم التعليم وأعوامه، وتركز على الاهتمام بالمواد والتخصصات العلمية والإنفاق على البحث العلمي. ولعل من المناسب هنا تأكيد الحاجة إلى "إضافة" لما يعطيه الدليل. وتتمثل هذه الإضافة في الاهتمام بتوجه التعليم نحو "تنمية الإمكانات الذهنية وتفعيل التفكير" لدى الناشئة وتحفيزهم على الإبداع والابتكار، والموازنة بين "تلقي المعرفة" و"عطائها" والسعي إلى الاستفادة منها. ويأتي هنا دور المستوى الثاني، مستوى "الوسائل" المعرفية وعلى رأسها الإنترنت التي تتيح جل "مكتبات الدنيا" للجميع، وتوفر الحوار والتواصل فيما بينهم، بما يعزز إمكاناتهم، ناهيك عما تقدمه دائما من مستجدات. ولدليل الابتكار مؤشرات إحصائية في هذا المجال، لكنها لا تحيط بالأمر الإحاطة اللازمة.
ونأتي إلى المستوى الثالث "مستوى المعرفة والأعمال"؛ حيث تبرز في هذا المستوى ثلاث قضايا رئيسة. ترتبط القضية الأولى بما يعرف "بعمال المعرفة". فلعمل هؤلاء أهمية خاصة في المؤسسات، لأن هذا العمل يتصف بالتفكير والذكاء، ولأن المتوقع من أصحابه أن يكونوا مصدر التجديد و"الابتكار" في المؤسسات. وتتعلق القضية الثانية بالتواصل والتعاون والشراكة بين المؤسسات لتعزيز الابتكار، ومثال ذلك الشراكة بين مؤسسات الأعمال المختلفة والجامعات. أما القضية الثالثة فتركز على شؤون استيعاب المعرفة وتوظيفها والاستفادة منها، مع حفظ حقوق الملكية الفكرية. ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى أن "توظيف الذكاء الاصطناعي" يفترض أن يكون عند هذا المستوى، وعلى "عمال المعرفة" تحديد دور منتجات هذا الذكاء، و"ابتكار" نماذج جديدة من العمل قادرة على الاستفادة منه جنبا إلى جنب مع الاستفادة من العمل والذكاء البشري. وهذا ما يمكن أن يضاف إلى دليل الابتكار العالمي.
في المستوى الرابع، لدينا "العطاء المعرفي والإنتاج التقني" الذي تقدمه المستويات السابقة. ويتمثل العطاء المعرفي في براءات الاختراع والنشر العلمي؛ ويتميز الإنتاج التقني بالاستجابة لمتطلبات المجتمع المحلي، وكذلك التصدير الخارجي، إضافة إلى الحرص على الجودة والقدرة على المنافسة. ويأتي أخيرا المستوى الخامس باحثا عن "العطاء الإبداعي"، ليركز على "المنتجات الإبداعية" التي تتمثل في منتجات مادية، أو يمكن أن تكون منتجات معلوماتية على الإنترنت والجوال تخدم قطاعا كبيرا من الناس.
يعطي "دليل الابتكار العالمي" مؤشرات تستخدم في تقييم "الجوانب المعرفية" لكل من المستويات الخمسة سابقة الذكر. لكن هذه المؤشرات غير كافية لتقييم جميع المضامين المرتبطة بهذه المستويات. وعلى ذلك فإن الاعتماد على دليل الابتكار العالمي في "تقييم الجوانب المعرفية للابتكار" غير كاف. والأمل هنا هو النظر إلى "الابتكار" بعقلية بحثية تستوعب كل ما هو متاح بشأنه من جهة، وتطلق العنان للإبداع والتجديد في تقييمه وتفعيله، خصوصا في إطار التحدي العالمي الذي تمثله الثورة الصناعية الرابعة.

إنشرها