من البير إلى الآيفون

|

لا أحد يشكك في أهمية الصناعة في الاقتصاد، فكلما زاد الإنتاج الصناعي في البلد فالمفترض أن يسهم في رفع الناتج المحلي، وإذا كان على قدر مناسب من التنافسية فسيسهم في رفع التصدير، وبالتالي المساهمة في زيادة التدفقات الإيجابية من العملات الصعبة للبلد، ما يرفع من قوة اقتصاده وتعزيز المركز المالي له وللعملة. لكن الصناعة حالها حال كل أمور الحياة، فهي في تطور مستمر ولها درجات تبدأ من أسفل السلسلة من الصناعات الأساسية، وهي غالبا ما تكون ذات طبيعة سلعية ومحدودة بأسعار السوق إلى الصناعات التحويلية ومن ثم صناعات متقدمة، وفي النهاية الصناعات المتطورة جدا، وهي التي تتميز بابتعادها عن كونها صناعة سلعية، وأسعارها تحدد بمعادلات مختلفة عن الصناعات الأساسية، وغالبا المنتج له مساحة ممتازة في تسعير منتجاته، وتكون مميزات المنتج فريدة أو لا يوجد مصنعون كثيرون يصنعون مميزات أو مواصفات المنتج نفسها.
هذه المنتجات المتطورة دائما ما تكون مبنية على تقنية عالية وبحوث واستثمار في تطوير المنتج، وتملك نماذج أعمال أسهمت في تفرده، وبالتالي توجد هوامش ربحية عالية جدا في الصناعة تفوق بشكل كبير مزودي المواد لديها، ولذلك هي على قائمة الصناعة وتستحوذ على أعلى نسبة أرباح في الأغلب. ولإعطاء مثال يشرح الفكرة سأستعرض جهاز الآيفون من "أبل"، فالأغلبية يعرفون أن "أبل" لا تصنع القطع الداخلية في الجهاز، بل تقوم بتجميعها، لذلك كل المواد الداخلية تصنع في مصانع أخرى، وفي دول عدة، كثير منها في الصين.
سعر بيع جهاز آيفون IPHONE XS MAX على سبيل المثال 1250 دولارا، لكن عند تفكيك تكلفة الجهاز سنفاجأ بأن تكلفة المواد لا تتجاوز 443 دولارا فقط، وهي تعادل 35 في المائة من سعر البيع. إذن، المتبقي يتجاوز 800 دولار يذهب لشركة أبل، وهذا يغطي طبعا تكلفة التجميع والبيع والتوزيع والتطوير وهامش صافي الربح للشركة من الجهاز. هذا المبلغ يعادل 65 في المائة من سعر البيع، وهي نسبة عالية جدا تعني هامش ربح ممتازا للشركة حتى بعد احتساب تكاليف التجميع والبيع والتوزيع.
العبرة من هذه النسب هي أنه رغم أن كل القطع الداخلية للجهاز تقدم من مصانع تعد من الصناعات المتقدمة "مثل أجزاء الكاميرا، اللوحة الأم، الشاشة، وغيرها"، إلا أنها كلها مجتمعة تأخذ فقط 35 في المائة من سعر بيع الآيفون، والنسبة العظمي تذهب لشركة أبل مقابل نموذج عملها ومصاريف التجميع والبيع. بكل تأكيد إن أغلب مزودي "أبل" بالقطع رابحون منها، لكن القيمة العظمى من الفائدة تستحوذ عليها "أبل"، وهذا هو محور المقال، حيث كلما كانت الشركة في موقع أعلى في الصناعة، تحسنت هوامش ربحيتها وابتعدت عن قطاعات المنتجات السلعية.
الصناعة في السعودية في أغلبها لا تزال في أول الدرجة في السلسلة الصناعية، وتتركز في أغلبها في قطاع واحد تقريبا يعتمد على البتروكيميكال، وهذا يجعلها تحت ضغط السوق وتدني الهوامش، وفي بعض الأحيان الاعتماد على الدعم الحكومي للاستمرار والربح، ما يوجد صناعة هشة، وبالتالي الاحتياج إلى استراتيجيات قوية تعتمد على المنافسة للاستحواذ على الحصص السوقية.
من المفارقة أن الآيفون يعتمد بشكل أساسي في مواده على صناعة البتروكيميكال، لكن لأن هذه الصناعة من الصناعات الأساسية، لا تظهر في تكاليف الجهاز المباشرة، بل في تكاليف المصانع الموردة، وقد لا تظهر إلا في تكاليف المصانع الموردة للمورد المباشر لـ"أبل"، بمعنى أنها تأتي في المرتبتين الثالثة أو الرابعة من سلسلة تكاليف جهاز الآيفون. طبعا القول نفسه ينطبق على أغلب -إن لم يكن كل - الأجهزة والصناعات المتقدمة، حيث نجد أن الصناعات البتروكيميكال، وقبلها صناعة النفط، تدخل في كل الصناعات، بما فيها الآيفون، لكن بطريقة غير مباشرة، أو في الصف الثاني أو الثالث أو الرابع من التكاليف، وفي الوقت نفسه تنال أقل هوامش ربح.
الحديث عن الصناعة يطول ومعقد، وتدخل فيه عوامل كثيرة جدا، لكن من المهم فهم تطورات الصناعة، وكيفية إيجاد صناعة تستطيع السعودية المنافسة فيها. فمثلا، لا يعقل أن ننافس في صناعات تعتمد على اليد العاملة الرخيصة، أو تعتمد على مصادر مياه أو طاقة رخيصة، فمن الصعب جدا أن تنجح، لكن يجب أن ترتكز الاستراتيجية الصناعية على ما لدى السعودية من إمكانات من الممكن الاستفادة منها، مثل توافر وقرب الصناعات البتروكيميكال، والانتقال إلى صناعات متقدمة في القطاع نفسه، أو استغلال الموقع الجغرافي أو وجود حجم طلب محلي مناسب لمنتجات معينة "مثل الصناعة العسكرية"، أو البدء في الاستثمار في قطاعات جديدة عالميا مثل القطاعات عالية التقنية، لكن المهم هو إعادة التفكير في وضع صناعتنا مع محاولة صعود درج السلسلة الصناعية نحو منتجات أكثر تطورا وتميزا، وفي الوقت نفسه تتوافق مع الإمكانات الموجودة لدينا كي تنافس وتستمر، وفي نهاية الأمر تسهم في رفع الناتج المحلي وزيادة الصادرات، أو على الأقل تخفيض الاعتماد على الواردات منها.

إنشرها